الصيغة الفيدرالية للحكم ضمان لوحدة الدولة العراقية 
 
 

الدكتور منذر الفضل 
أستاذ جامعي عراقي مقيم في السويد 
Stockholm - Sweden
http://home.bip.net/alfadhal

1999




من المعلوم في فقه القانون الدولي  أن الدول على أنواع متعددة ويتقرر نوع الدولة حسب ظروف وعوامل كثيرة , والاتحاد الفيدرالي أو نظام الدولة الفيدرالية Federalism  هي واحدة من أنواع الدول في العالم ومثالها كندا و ماليزيا و الولايات المتحدة الأمريكية و سويسرا و الهند وغيرها.وللاتحاد الفيدرالي أسباب أو مبررات عديدة غايتها الأولى صنع التعددية و المشاركة الفاعلة الحقيقية في الحياة السياسية بصورة ديمقراطية و عادلة بعيدا عن التفرد في الحكم وحكر السلطات بيد شخص أو مجموعة تنتهك القانون وتهدر الحقوق .ذلك لان حكم الفرد يقود دائما إلى الأخطاء و المشاكل والظلم بينما تؤدي المؤسسات في ظل حكم الجماعة دورها بصورة افضل واكثر عدالة في ظل القانون والرقابة الدستورية . 

ولاشك أن النقل الحرفي للتجارب أو لمؤسسات الحكم أو للقوانين هو غير سليم وهو من الأمور البديهية إلا انه لا يمكن للشعوب أو للدول أن لا تتأثر و تؤثر في الحياة , فالتفاعل ودراسة تجارب الآخرين ومعرفة الأخطاء تشكل مدخلا لنجاح أي تجربة أو فكرة قد تبدو جديدة أو غريبة نوعا ما . وفيما يخص الفيدرالية لابد 
من القول  أن هناك فرقا بين 
1. الحكم الذاتي .
2. الفيدرالية - الاتحاد الفيدرالي الاختياري للولايات داخل الدولة الواحدة. 
3. حق تقرير المصير والاستقلال السياسي في الانفصال بكيان مستقل .

فالحكم الذاتي هو تمتع قومية معينة بحقوق ثقافية و سياسية في إطار الدولة الواحدة حيث يكون للمناطق و الأقاليم الذي  تسكنه أغلبية من تلك القومية هيئات أو مؤسسات محلية في إدارة هذه المناطق مع مراعاة خصوصية السكان القومية في اللغة و الحقوق الثقافية و السياسية . ومثال ذلك ما حصل في العراق مع الكرد في كردستان العراق في بدايات تطبيق بيان آذار عام 1970 طبقا لقانون الحكم الذاتي لعام 1970 وطبقا للدستور العراقي الصادر في العام ذاته.غير أن الواقع العملي كان مختلفا تماما عما كانت تنص علية القوانين والدستور .إذ لم تمض إلا سنوات معدودة حتى انهار الحكم الذاتي الذي كان متفقا علية بسبب نكث العهود بفعل إخلال السلطات العراقية آنذاك. بينما كان القانون المذكور قد شكل مدخلا صحيحا في تنظيم العلاقة بين  الشعب الكردي والشعب العربي في إطار الوحدة الوطنية للشعب العراقي في الدولة الواحدة لولا أخطاء النظام . 

أما الفيدرالية Federalism  فهي استقلال داخلي ضمن الدولة الواحدة والسلطة المركزية الفيدرالية وعلى أساس المساواة .وطبقا للنظام الفيدرالي يكون لشعب الإقليم حق الاستقلال الذاتي و حق المشاركة في إدارة الشؤون المركزية ومثل هذا النظام موجود في أمريكا و سويسرا و المكسيك  وماليزيا وغيرها من الدول . ولهذا  يمكن القول في أن الفيدرالية هي صيغة متطورة للعلاقة بين الشعوب وهي تنظيم في إدارة   الدولة . ولذلك فهي تختلف عن حق تقرير المصير لان 

حق تقرير المصير   هو مبدأ سياسي يقوم على أساس (( حق الشعوب المضطهدة في تقرير مصيرها أي التحرر من الاستعمار و السيطرة وتأسيس دولة مستقلة ذات كيان سياسي مستقل )) ذلك لان الشعوب متساوية في الحقوق وهو ما حصل مؤخرا في تيمور الشرقية طبقا للانتخابات التي جرت برعاية الأمم المتحدة وهو ما تسعى له الصحراء الغربية في المغرب العربي في الاستقلال عن المغرب .ومن الطبيعي إن يكون للشعب الفلسطيني حقه في تقرير مصيره وفي أتشاء دولته المستقلة التي عاش فيها منذ آلاف السنين .

وقد نص ميثاق الأمم المتحدة على وجوب احترام مبدأ حق تقرير المصير بشكل مباشر في المواد 1 و 55 وبصوره غير مباشرة في المواد 73 و 76 لذلك فان الشعوب الواقعة تحت الوصاية في إقليم معين تستطيع أن تحكم نفسها وتستقل سياسيا في كيان مستقل .كما جاء حق تقرير المصير في قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة إذ صدرت هذه القرارات الكثيرة في مناسبات متعددة من الجمعية العامة للأمم المتحدة في حق تقرير المصير و حرية  تكوين الكيان السياسي المستقل  لاسيما ما يخص حق الشعب الفلسطيني .

وحق تقرير المصير إنما يقرر للشعوب غير المتمتعة بالحكم الذاتي وتعاني من الاضطهاد أو هي خاضعة تحت الوصاية الدولية ودعما للأمن والسلم الدوليين تحصل الشعوب على حقها في تقرير المصير في إنشاء كيان مستقل حينما يستحيل العيش المشترك بين الشعوب  . وغالبا تكون هناك ( حركة تحرر وطنية في الإقليم ) تطالب بالانفصال. كما جاء حق تقرير المصير في العهدين الدوليين لحقوق الإنسان  أيضا .

ونضيف أن حق تقرير المصير ينطوي على جانبين هما 

· أولا - حق الاتحاد الاختياري الأخوي في كيان واحد ودولة واحدة أي حق العيش المشترك باتفاق رضائي تتحدد الحقوق و الواجبات في الدستور و القانون وهو ما اختاره الشعب الكردي في كردستان العراق مثلا في قرار المجلس الوطني لكردستان العراق في 4-10-92 حين اختار الفيدرالية نمطا لتنظيم العلاقة بين الكرد والدولة العراقية المركزية .
· ثانيا - الانفصال و تأسيس كيان مستقل أي دولة مستقلة مثل تيمور الشرقية وحق الشعب الفلسطيني في تأسيس دولته المستقلة .

  الفيدرالية تجسيد للأسس الديمقراطية في الحكم و الإدارة لدولة القانون

أن النظام الفيدرالي يحقق التوازن بين السلطة المركزية والسلطات المحلية لكل ولاية فيكون للحكومات المحلية للأقاليم تمثيل في مركز القرار في السلطة المركزية كذلك إلى جانب الإدارة الذاتية للإقليم مما يحقق التوازن في العلاقة و يوسع المشاركة في إدارة الدولة ويلغي دور الفرد في الحكم بل أن الاتحاد الفيدرالي يفتت دور وسلطات حكم الفرد ويوسع المشاركة للمؤسسات الدستورية ويعزز حكم الجماعة كما يكشف عن أن المؤسسات هي التي تحكم و تدير وليس الحاكم أو الفرد ولذلك تقوض الفيدرالية سلطات الحكم الشمولي . ولهذا لا يمكن أن توجد شخصنه في الحكم مع النظام الفيدرالي لان النظامين   نقيضان لا يجتمعان . 
هل الفيدرالية تجسيد للتعددية و احترام لها 

نعم أن الفيدرالية  هي افضل وسيلة في إدارة الدولة التي فيها اكثر من قومية أو طوائف و مذاهب  وأطياف متعددة خاصة إذا كانت الحريات والحقوق معطلة كليا في الدولة ففي الفيدرالية احترام ( للتعددية القومية ) و ( للتعددية الدينية ) و (للتعددية المذهبية ) و احترام ( للتعددية السياسية ) وفي تطبيق الفيدرالية تعطيل كلي لدور الحاكم الفرد ولا يخفى على الجميع ما يجلبه حكم الفرد من ويلات و كوارث على الشعوب ولان حكم المؤسسات الدستورية في دولة القانون تجنب الدولة أهواء و أخطاء الحاكم الفرد ولا تسمح لظهور الطغاة الذين يجلبون على شعوبهم الماسي و الحروب و الدمار من خلال عسكرة الدولة والمجتمع  . 

وفي العراق مثلا فان خيار الشعب الكردي في كردستان العراق تحدد في اختيار الفيدرالية كما أشرت منذ عام 1992 ولهذا سيكون للكرد حق في إدارة إقليم كردستان إلى جانب حقهم في المشاركة في السلطة المركزية في الدولة . وسيكون مصير الشعب الكردي مقررا من الشعب ذاته وليس من غيرهم  بسبب المشاركة في حكم الإقليم وفي السلطة المركزية وبذلك تدار الدولة وفقا للمؤسسات الدستورية و طبقا للقانون .

لماذا ترفض الفيدرالية من بعض الحكام في المنطقة 

للجواب عن ذلك نقول لان بعض الحكام ورثوا قيما تجعلهم يتمسكون بالدور السلطوي المركزي وفي أن تكون لهم اليد العليا و المطلقة أي التفرد في الحكم و ممارسة القمع و الاضطهاد القومي و المذهبي و إهدار حقوق الإنسان  وفي إشباع الرغبات فبي الحكم الشمولي من خلال السيطرة على مقدرات الدولة والمجتمع و على الأرض و الشعب وخصوصا في الأنظمة السياسية الدكتاتورية سواء أكانت في نمط عسكري أو ديني أو حزب واحد أو عائلة واحدة أو صنم واحد  . وهي سياسة خاطئة والدليل وجود المشاكل وعدم الاستقرار في هذه البلدان فضلا عن أن  سياسة الاضطهاد لن تدوم لاسيما وان المبدأ الجديد للألفية الثالثة هي أن قواعد حقوق الإنسان المنصوص عليها في الإعلانات و الدساتير  المعروفة للجميع هي ملزمة للدول وان من حق الأمم المتحدة التدخل لغرض إلزام  الدول التي تنتهك هذه الحقوق ووضع مراقبين لذلك ولا يعد هذا الأمر تدخلا في الشؤون الداخلية للدولة التي تهدر بقسوة حقوق مواطنيها وترتكب ابشع الانتهاكات والجرائم ضد الإنسانية  . كما لم يعد مبدأ السيادة الوطنية درعا يتحصن فيه الطغاة و المستبدون .

هذا فضلا عن   أن النظام الفيدرالي يعني السماح لكل المؤسسات الدستورية أن تقوم بدورها القانوني في بناء الدولة والمجتمع وفقا للأسس الدستورية و القانونية وهو  وفي توزيع الثروات الوطنية توزيعا عادلا  يصب في خدمة الإنسان وفي تأسيس وبناء قواعد المجتمع المدني مما يتعارض و سلطة الحكم الشمولي  الذي تتركز بيده جميع السلطات و ينعدم الفصل بين السلطة التشريعية و السلطة القضائية و السلطة التنفيذية  مما يسبب التفرد بالرأي و كثرة الأخطاء و انهيار القانون و الإهدار في  الحقوق .

إذا الفيدرالية هي نظام حكم لغرض إدارة أقاليم  الدولة الواحدة بصورة متوازنة بين السلطة المركزية و إدارة الأقاليم أو الإقليم  وبمشاركة واسعة منظمة ديمقراطية وعادلة بهدف تحقيق التطوير وانفاق الموارد على الإنسان وفي تأسيس حكم المؤسسات وليس حكم الفرد  أو الأفراد ومن خلال هذا النمط في إدارة الدولة تتحقق العدالة و العدل ولذل فان الفيدرالية هي 

طريقة قانونية أو أسلوب للحكم قائم على تفعيل  دور المؤسسات  الدستورية وليست تقسيما للدولة التي تأخذ بهذا الأسلوب في الحكم .
 
 
 

ما هو الدليل على أن الفيدرالية ليست تقسيما للدولة 

أن الأدلة  التي يمكن ذكرها على أن الفيدرالية هي ضمان لوحدة الوطن و هي ضد التجزئة  للدولة كثيرة حيث يمكن القول أولا  أن النظام الفيدرالي يقوم على الاتحاد الاختياري و وفقا للقانون و الدستور الدائم  الذي يحدد الحقوق و الواجبات لكل طرف وإذا كانت الدولة التي تختار هذا الطريق للحكم يسود فيها القانون وتحترم قواعده فلماذا الخوف من التجزئة !
 ثم أن الدولة التي تختار هذا الأسلوب لابد أن تقوم على نظام المؤسسات  الدستورية وحكم الجماعة في إدارة الدولة  و ليس على حكم الفرد أو الأقلية  مما يجعل الضمانات موجودة في تطبيق  وسريان القانون و شيوع الحكم المؤسسي  مما يقلص فرص الاضطهاد أو الاستبداد و الظلم وهو السبب في المشاكل .كما سيجعل توظيف موارد الدولة لخدمة أبنائها دون إهدار أو إنفاق في اتجاهات تضر بأبناء الوطن الواحد أو في إهدار الثروات أو سرقتها . غير أن الفيدرالية تقوم على تقسيم سلطات الحاكم الفرد وعدم تركيزها بيده ولهذا يقاومها الحاكم الذي لا يؤمن بالديمقراطية ولا بدور الشعوب في التاريخ والفصل بين السلطات وتعزيز دور المؤسسات . 

نضيف إلى كل ذلك أن الدولة التي تختار الفيدرالية كطريق لتنظيم العلاقة بين الشعب الواحد في الدولة الواحدة تقوم على مقومات الوحدة و الشراكة في الوطن وعلى مقومات تضمن هذه الوحدة وتقف ضد التقسيم وهي مثلا 
· وحدة الشعب في الدولة ضمن حقوق متساوية يحددها الدستور الدائم والقوانين المختصة التي ترسم حقوق وواجبات المواطنة. 
· وحدة إقليم الدولة
· وحدة العملة وتكون بيد السلطة الاتحادية العليا 
· وحدة المؤسسات العسكرية وتكون بيد السلطة الاتحادية العليا 
· وحدة القوانين والقضاء وتكون بيد السلطة الاتحادية العليا ولا يمنع من أن تكون للحكومات المحلية في الأقاليم دساتير مناسبة تتناسق مع الدستور المركزي. 
· وحدة التمثيل الخارجي و السفارات وتكون بيد السلطة الاتحادية العليا 
· وحدة العلم 
· وحدة الموازنة العامة و الثروات
·  المعاهدات الدولية و عقد الصلح تكون من صلاحيات الدولة الفيدرالية المركزية.
·  تكون باقي الأمور الإدارية للإقليم متروكة لشؤون الإقليم و الحكومة الفيدرالية المحلية . 

((  إذا الفيدرالية هي نظام قانوني يقوم على أساس قواعد دستورية واضحة تضمن العيش المشترك لمختلف القوميات و الأديان و المذاهب  والأطياف ضمن دولة واحدة تديرها المؤسسات الدستورية  في دولة القانون .  ))

 ونعتقد أن الفيدرالية كنظام حكم ضرورة لممارسة التعددية السياسية و بناء أسس دولة المؤسسات الدستورية و في  ترسيخ قواعد الديمقراطية وهي ضد نظام حكم الفرد أو الشخصنة  . ولذلك توفر الفيدرالية فرص العيش المشترك المتكافئ العادل و القائم على العدل و العدالة في إطار دولة واحدة تكون قوية بهذه المؤسسات الدستورية . وهي ضمان اتحاد فيدرالي وليس انفصالا أو تجزئة للوطن وهي تضمن (( الحقوق المتساوية للجميع ))وفي إطار الدولة الواحدة و تكون عملية توزيع الموارد و الثروات وفقا لما تقرره مؤسسات الدولة الدستورية وليس وفقا لرغبة و أهواء الحاكم أو بعض الحكام لان موارد الدولة ليست ملكا للحاكم و إنما هي ملك الشعب في الحاضر وفي المستقبل من الأجيال .

ونشير هنا إلى أن الحكومات المحلية ليست لها صلاحيات إعلان الحرب أو عقد الصلح أو إبرام المعاهدات أو الأحلاف و إنما هي من اختصاص الدولة الاتحادية المركزية وحدها ذلك لان هذه الحكومات الإقليمية ليست دولا مستقلة و قائمة بذاتها من الناحية القانونية و إنما هي حكومات أقاليم في الدولة  الواحدة المركزية وتنتظم العلاقات طبقا للدستور الدائم والقوانين النافذة التي يجب أن تتوافق مع الدستور المذكور .
أي لابد من أن يكون هناك تناسق داخلي بين القوانين وتوافق بينها وبين الإعلانات العالمية و المعاهدات الدولية و الالتزامات التي يفرضها المجتمع الدولي على الدول مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و معاهدة حظر التعذيب وحقوق الطفل و حقوق الأسرى وغيرها .ولا يجوز مطلقا أن تكون قوانين الأقاليم أو الدولة  الاتحادية المركزية متناقضة أو مخالفة للالتزامات الدولية , وان صارت مخالفة وشكلت تهديدا خطيرا ضد الأمن والسلم الدوليين وجب على مجلس الأمن الدولي التدخل لصالح الشعوب والوقوف بوجه حكامها الظالمين. 
 


الدكتور منذر الفضل - أستاذ جامعي عراقي مقيم في السويد ( مستقل ) 

 
 
 

 


 
 
انتهاكات حقوق الإنسان والجرائم الدولية في العراق
Human Rights violations and International crimes in Iraq
 
 

الدكتور منذر الفضل 
أستاذ مشارك في القانون المدني
Legal adviser 
home.bip.net/alfadhal/ 
 
 

2000

Stockholm - Sweden

مقدمة 
Introduction

اصبح موضوع احترام حقوق الإنسان من أنظمة الحكم معيارا مهما في كشف صدقيه الالتزام بالقوانين والإعلان العالمي لحقوق الإنسان و المعاهدات الدولية التي التزمت بها الدول . وقد تباينت  هذه الأنظمة  في مدى  احترامها لتعهداتها الدستورية و القانونية الوطنية والتزاماتها  الدولية. 
ولم تعد قضية حقوق الإنسان و الانتهاكات البليغة التي ترتكبها  الأنظمة  الدكتاتورية مسالة داخلية لا يمكن للمجتمع الدولي أن يتدخل لوقف قمع السكان المدنيين أو أن يبقى المجتمع الدولي متفرجا من قضية التطهير العرقي أو الجرائم الدولية الخطيرة التي يرتكبها بعض الحكام الظالمين  في أي بقعة من الأرض, وإنما أضحت مسالة احترام حقوق البشر قضية  تهم المجتمع الدولي ولا تنحصر بشؤون الدولة الداخلية   ولا تتعلق بالأمن الوطني  فقط أو  تخرق  مبدأ التدخل في الشؤون الداخلية للدول  التي تنتهك هذه الحقوق , لان هذه الانتهاكات صارت مصدرا للقلق والنزاعات  وعدم الاستقرار للمجتمع الدولي. و أضحت هذه الجرائم مصدرا خطيرا للنزاعات والحروب مما  يؤثر استمرارها على الأمن والسلم الدوليين خصوصا إذا جاءت هذه الانتهاكات من  أعمال إرهابية من  الدولة.
وفي العراق بلغت قضية إهدار حقوق الإنسان حدا خطيرا لا يمكن إغفاله , فالانتهاكات التي مارسها - وما يزال يمارسها النظام - منذ عام 1968 وحتى ألان وبخاصة  ضد الكرد في كردستان العراق وضد الشيعة و الاقليات الأخرى  من سياسة التمييز و القمع والاضطهاد و التي ازدادت بعد اندلاع الحرب بين إيران والعراق عام 1980 وما تبعها من استعمال السلاح الكيماوي في مناطق متعددة من العراق و بخاصة في حلبجة عام 1988 و من احتلال دولة الكويت عام 1990 , شكلت خرقا واضحا لكل القوانين  و الالتزامات الدولية والأعراف وحتى للديانات السماوية والقيم الإنسانية .
 ويمكن القول أن هذه الانتهاكات لحقوق الإنسان في العراق تعتبر من الجرائم الدولية -كما سنبين ذلك - التي لابد من محاسبة المسؤولين عنها  طبقا للأدلة القانونية التي أثبتت قيام بعض المسؤولين العراقيين بهذه الجرائم الدولية. وفي عام 1991اصدر مجلس الأمن الدولي ( قراره اليتيم ) رقم 688 لحماية الشعب العراقي من بطش النظام الدكتاتوري في العراق.ولم يصدر القرار استنادا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة مما افقده عنصر الإلزام على النظام .
ولذلك سنحاول بيان بعض الانتهاكات لحقوق الإنسان في العراق و كشف بعض الجرائم الدولية التي ارتكبت ضد حقوق الإنسان  من العراقيين وغيرهم مما سبب تهديدا بليغا للأمن والسلم الدوليين ولغرض وضع الجزاء على الفاعلين المسؤولين عن هذه الجرائم وبغيه عدم إفلات المجرمين من العقاب لابد من إلقاء الضوء أولا على إهدار حقوق الإنسان في العراق ثم على الجرائم الدولية ضدها وهو ما سنتعرض له على النحو التالي.

القسم الأول- إهدار  حقوق الإنسان في العراق

القسم الثاني - الجرائم الدولية ضد حقوق الإنسان في العراق 
 
 
 

القسم الأول 

إهدار حقوق الإنسان في العراق
Human Rights violations in Iraq 
 

تعد حقوق الإنسان من المواضيع المهمة والحيوية في المجتمعات الإنسانية التي فيها  أنظمة حكم ديمقراطية قائمة على احترام القانون و التعددية السياسية ونظام المؤسسات الدستورية . ذلك لان للإنسان قيمة عليا في المجتمع المدني وتسخر كل الإمكانات لراحته منذ المراحل الأولى للحياة وحتى الوفاة .وتزداد هذه الأهمية في العالم يوما بعد يوم حتى اصبح مقياس رقي الشعوب و الدول في مدى الاحترام الطوعي للقانون والالتزام  بهذه  الحقوق وفي توفير سبل الحياة والاحترام للبشر .و أضحت مسالة وجود الاحترام لحقوق الإنسان في الواقع العملي قضية مهمة تتابعها الأطراف الحكومية و غير الحكومية و المنظمات الدولية و نشأت المحاكم المتخصصة في العديد من الدول و بخاصة في أوربا لهذا الغرض , بسبب الانتهاكات البليغة لحقوق الإنسان وإهدارها من مختلف الأنظمة السياسية وبخاصة المستبدة منها ,حيث اصبح عدد البشر الذين يعانون من هذه الانتهاكات حوالي 20 مليون نسمة بفعل الحروب و الاستبداد و الظلم من الأنظمة الدكتاتورية التي لم تحترم التزاماتها القانونية حتى أن البعض من هذه الدول صارت معروفة بسجلها السيئ في ميدان إهدار حقوق الإنسان ومثال ذلك نظام الحكم في العراق  وذلك طبقا لما يعرفه المواطن العراقي من ظلم ورعب  وقسوة فاق الحدود و طبقا لتقارير منظمة العفو الدولية و الأشخاص المحايدين مثل السيد ماكس فان دير شتويل ( المقرر الخاص لحقوق الإنسان في العراق )  و لتقارير المنظمات غير الحكومية الأخرى أيضا التي كشفت عن جانب مما يحصل في العراق في ظل نظام حكم الرئيس صدام   (1).
ولاشك أن وضع حقوق الإنسان في ظل النزاعات المسلحة و الاحتلال و الصراعات الداخلية تتدهور بصورة كبيرة ويصبح من الصعب إلزام الأطراف باحترام المعايير الدولية خاصة في المناطق التي يحصل فيها التطهير العرقي أو التمييز الطائفي أو الإقليمي أو القبلي أو الصراع على النفوذ كما هو الحال في إقليم كردستان العراق بين الاخوة الكرد بين الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة السيد مسعود البارزاني  و الاتحاد الوطني بزعامة السيد جلال الطالباني ( 2)  . وكذلك في الصراع العسكري الدائر   بين روسيا و الشيشان و في الصراع الذي دار بين الصرب والبان كوسوفو وغيرها من مناطق النزاعات المسلحة .
وحقوق الإنسان هي التي تثبت للبشر لمجرد الصفة الآدمية وهي لصيقة بالإنسان لأنها من الحقوق الطبيعية الثابتة للإنسان قبل وجوده مهما كانت ديانته أو قوميته أو جنسه أو لونه أو معتقداته و سواء أكان  الشخص وطنيا أم أجنبيا .وقد أرغمت هذه الانتهاكات التي مارستها  وتمارسها الدول الاستبدادية في إنشاء محكمة جنائية دولية خاصة  International crime court  للنظر في محاكمة المجرمين الدوليين الذين غالبا ما يفلتوا من العقاب و العدالة الدولية , وقد تم الاتفاق بين العديد من الدول في  روما في شهر تموز من عام 1998 على تأسيس هذه المحكمة ذلك لان ظاهرة إفلات المجرمين من العقاب أدت إلى ازدياد انتهاكات حقوق البشر في العالم . 
وقد ذكر السيد الأمين العام للأمم المتحدة ( كوفي عنان ) في 16 مارس 1998 ( أن قضية حقوق الإنسان من الأسباب المفضية إلى النزاعات في الغد ).وللدلالة على خطورة المشكلة  هذه نذكر مثلا أن العراقيين الذين يعيشون في المنافي بلغ اكثر من 3 مليون إنسان وهو يزداد يوما بعد أخر وقد شكلت نسبة ليست قليلة منهم من العقول والطاقات التي تركت العراق طوعا أو قهرا أو تهجيرا خلافا لكل القوانين والأديان والأعراف والقيم الإنسانية .وهذه العقول التي هجرت العراق أو هجرت منه لعوامل عديدة منها ممارسات النظام الخاطئة في خنق الحرية وعسكرة الدولة والمجتمع وفي  ممارسة  التمييز العنصري والطائفي والديني و العشائري وغيرها  وما يزال النظام يلاحقها بسياسة الترغيب والترهيب..(3) حيث أن هذه العقول ثروة وطنية وقومية ليس من السهل تعويضها . 

قانون درا كون  من الإغريق إلى  العراق 

وصف أر سطو  هذا القانون  الذي صدر في أثينا عام 621 ق.م بأنه القانون الذي يكشف عن القوة المتناهية و العقوبات الغليظة . ذلك لان الملك اليوناني دراكون  Dragon  كتب نصوصه من دم الضحايا والأبرياء ليكون مثالا للقوانين القاسية التي تدل على الوحشية والقسوة ضد الإنسان وكانت التبريرات لذلك هي بناء حكم قوي يخدم الملك المذكور تحت ذريعة بناء الوطن والدفاع عن مصالح الشعب وترسيخ التقاليد اليونانية .
ويبدو أن التاريخ يعيد دورته في بلاد أخرى ليست بعيدة عن الإغريق  ولكن في صورة قوانين ابلغ قسوة من قوانين درا كون , ففي بلاد الحضارات ومهد القوانين , في ارض سومر وبابل وحمورابي,التي شهدت أول شريعة إنسانية مكتوبة منظمة للحياة البشرية , تسود  القوانين ذات الطابع المتميز في القسوة والوحشية عن قانون دراكون . وللدلالة على ذلك نشير مثلا إلى قرار الرئيس العراقي صدام حسين المنشور في الجريدة  الرسمية في قطع أجزاء من جسد العراقي (4), اليد , الأذان , الأطراف,الأنف ..الوشم على الجبين …إذا تخلف عن أداء الخدمة العسكرية أو هرب منها أو رفض تأديتها بل يتعرض الشخص إلى عقوبة الإعدام إذا قام بتزوير وثائق الخدمة العسكرية للتخلص منها وهي عقوبة قاسية جدا  فقد اعترضت عليها العديد من المنظمات الدولية غير الحكومية ومنها منظمة العفو الدولية في نشرتها الأخبارية الصادرة في تموز 1999  العدد رقم 29.
وفي أيلول   1999 اصدر الرئيس صدام أوامره إلى الأجهزة الأمنية العليا بالقبض على كل شخص تخلف عن أداء الخدمة العسكرية وقطع ساقه من خلاف ومن ثم هدم منزلة وحجب  البطاقة التموينية   ( ورقة الحصة الغذائية ) عن أهلة ترسيخا لمبدأ العقاب الجماعي أيضا . وقد جاءت هذه الأوامر ردا على دعوة السيد الأمين العام للأمم المتحدة إلى إلغاء عقوبة الإعدام من قوانين الدول في العالم وبناء أسس السلام ونبذ الحروب مع بداية الألفية الثالثة .كما اصدر الرئيس صدام أوامره المعلنة وغير المعلنة  في شباط من عام 2000 بمعاقبة كل شخص يثبت انه لجأ إلى الأمم المتحدة طالبا اللجوء وبخاصة من طلب اللجوء السياسي وتكون العقوبة هي الإعدام بتهمة الخيانة العظمى للوطن .

حقوق الإنسان الثابتة  في الأديان السماوية ليست لها قيمه في العراق

جاءت الرسالات السماوية رحمة وهداية للإنسان , وقد كرمته وميزته عن غيرة من المخلوقات في الكون ولهذا لم تجز الشرائع السماوية مطلقا قتل الإنسان أو إلحاق الأذى به دون سبب أو لسبب غير مشروع .بل أن القتل أو إزهاق الروح غير جائز حتى ضد الحيوان  دون سبب.فالروح هبة من الخالق للمخلوق و الاعتداء عليها يعني اعتداء على حقوق الخالق في المخلوق. وهذا هو حماية الحق في الحياة والوجود حيث جاء تكريم المخلوق من الخالق من  خلال العقل الذي تمييز به الإنسان عن باقي المخلوقات.وكذلك الحال بالنسبة للحق في السلامة البدنية والكيان الاعتباري للإنسان من الإيذاء أو التعذيب أو الضرب وفي المساواة بين البشر دون تمييز لانهم من خالق واحد.وللبشر الحق في الأمن و الحرية في التفكير والتنقل والحد الأدنى من المورد المالي و في رعاية الشيخوخة و إبداء الرأي والحق في التملك و الحق في الزواج وغير ذلك.غير أن جميع هذه الحقوق الثابتة للبشر لم تحترم في العراق فالحقوق أهدرت و العهود نكثت و الالتزامات الوطنية والدولية خرقت بصورة لم يشهد لها التاريخ مثيلا منذ عام 1968 وازدادت بصورة كبيرة منذ 1979 .
وبسبب من تصاعد هذه الانتهاكات الخطيرة بعد تحرير دولة الكويت وقيام الانتفاضة الباسلة في جنوب العراق و في كردستان ضد النظام الدكتاتوري في آذار من عام 1991  وعلى اثر القمع الوحشي من النظام فقد تقرر في نيسان من العام المذكور تعيين السيد ماكس فان شتويل طبقا لقرار مجلس الأمن الدولي سالف الذكر .ولذلك لابد من الوقوف قليلا على مضمون القرار 688 .

ضرورة تفعيل القرار 688 لحماية الشعب العراقي من القمع 

اصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 688 في 5-4-1991 وجاء فيه ما يلي
( أن مجلس الأمن إذ يضع في اعتباره واجباته ومسؤولياته بموجب ميثاق الأمم المتحدة بالنسبة لصيانة السلم والأمن الدوليين , وإذ يشير إلى الفقرة 7 من المادة 3 من ميثاق الأمم المتحدة وإذ يساوره شديد القلق الذي يتعرض له السكان المدنيون العراقيون في أجزاء كثيرة من العراق والذي شمل مؤخرا المناطق السكانية الكردية وأدى تدفق اللاجئين على نطاق واسع عبر الحدود الدولية والى حدوث غارات عبر الحدود بما يهدد السلم والأمن الدوليين في المنطقة , وإذ يشعر بانزعاج بالغ ينطوي علية ذلك من ألام مبرحة يعاني منها البشر هناك , وإذ يحيط علما بالرسالتين المرسلتين من الممثلين الدائمين لتركيا وفرنسا لدى الأمم المتحدة والمؤرختين في 3 نيسان 1991 و 4 نيسان على التوالي ( 22435 و 22366 ) .
وإذ يحيط علما أيضا بالرسالتين اللتين أرسلهما الممثل الدائم لجمهورية إيران الإسلامية لدى الأمم المتحدة والمؤرختين في 3 و 4 نيسان 1991 على التوالي ( 22436 و 2247 ) وإذ يفيد تأكيد التزام جميع الدول الأعضاء تجاه سيادة العراق وجميع دول المنطقة , وسلامتها الإقليمية و استقلالها السياسي , وإذ يضع في الاعتبار تقرير الأمين العام المؤرخ في 20 آذار 1991 ( 22366 ). 
1. يدين القمع الذي يتعرض له السكان المدنيون العراقيون في أجزاء كثيرة من العراق والذي شمل مؤخرا المناطق السكانية الكردية وتهدد نتائجه السلم والأمن الدوليين في المنطقة .
2. يطالب بان يقدم العراق على الفور , كإسهام منة في إزالة الخطر الذي يهدد السلم والأمن الدوليين في المنطقة , بوقف هذا القمع ويعرب عن الأمل في السياق نفسه في إقامة حوار مفتوح لكافة احترام حقوق الإنسان والحقوق السياسية لجميع المواطنين العراقيين .
3. يصر على أن يسمح العراق بوصول المنظمات الإنسانية الدولية على الفور إلى جميع من يحتاجون إلى المساعدة في جميع أنحاء العراق ويوفر جميع التسهيلات اللازمة لعملياتها.
4. يطلب إلى الأمين العام أن يواصل جهوده الإنسانية في العراق وان يقوم على الفور وإذ يقتضي الأمر على أساس إيفاد بعثة أخرى إلى المنطقة تقريرا عن محنة السكان الأكراد الذين يعانون من جميع أشكال القمع الذي تمارسه السلطات العراقية .
5. يطلب كذلك إلى الأمين العام أن يستخدم جميع الموارد الموجودة تحت تصرفه بما فيها موارد الأمم المتحدة ذات الصلة للقيام على نحو عاجل بتلبية الاحتياجات الملحة للاجئين وللسكان العراقيين المشردين.
6. يناشد جميع الدول الأعضاء وجميع المنظمات الإنسانية أن تسهم في جهود الإغاثة الإنسانية هذه.
7. يطالب العراق أن يتعاون مع الأمين العام من اجل تحقيق هذه الغايات.
8. يقرر إبقاء هذه المسالة قيد النظر.)

ومن المعلوم أن القرار صدر لحماية الشعب العراقي من بطش وقسوة النظام ضد السكان المدنيين عقب إجهاض الانتفاضة الشعبية الباسلة التي قام بها  أحفاد أبناء ثورة العشرين والعشائر في جنوب العراق ووسطه والكرد في كردستان العراق حيث بلغت عدد المحافظات العراقية التي انتفضت ضد نظام الطغيان 14 محافظة من مجموع 18 . ولا يخفى من أن في اندلاع الانتفاضة  أسبابها الداخلية والخارجية إلا انه ساهم في إجهاضها العامل الداخلي ( القسوة والبطش واستخدام السلاح الكيماوي والصواريخ مع سوء الإدارة وانعدام التخطيط بين قوات الانتفاضة  فضلا عن عدم تكافؤ بين سلاح النظام وسلاح قوات الانتفاضة ) والعامل الخارجي الذي تمثل في الدعم الأمريكي لنظام صدام لقمع الانتفاضة بكل وحشية وبجميع صنوف الأسلحة ولعدم حصول الانتفاضة على أي دعم إقليمي أو دولي.
والقرار يعالج قضيتين مهمتين هما 
·  حماية السكان المدنيين من القمع والقسوة والإرهاب الذي يمارسه النظام ضد الشعب الكردي و ضد أبناء الجنوب و الوسط وضرورة كف النظام عن هذا الأسلوب الوحشي واحترام حقوق الإنسان لما في ذلك من آثار خطيرة  على حقوق المدنيين حيث أدى القمع إلى هجرة مئات الآلاف من العراقيين حتى بلغ العدد إلى ما يقارب 2 مليون إنسان عبر الحدود إلى تركيا و إيران في ظروف جوية وطقس بارد بالغة القسوة  وهو ما يهدد الأمن والسلم الدوليين و كذلك الاستقرار في المنطقة. 
·  عالج القرار 688 أيضا أسلوب النظام الدكتاتوري في الحكم , أي الأزمة السياسية في العراق تحت ظل حكم الرئيس صدام , حيث لا يجوز مطلقا - تحت ذريعة وجود الخطر الداخلي و الخطر الخارجي  وافتعال وجودهما - مصادرة الحقوق والحريات الأساسية و إهدار حقوق الإنسان بصورة لم يسبق لها مثيل في العديد من دول العالم ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية . وقد حث القرار على ضرورة إلغاء هذا الوضع غير الطبيعي و الشاذ ( ولا تعد هذه الدعوة تدخلا في الشؤون الداخلية طبقا لميثاق  الأمم المتحدة و مراقبتها للمعايير الدولية في احترام حقوق الإنسان ).

إلا أن القرار - وللأسف الشديد - لم يصدر تحت البند السابع من الميثاق مما افقد عنصر الإلزام والمتابعة بالقوة على النظام الأمر الذي يوجب ضرورة التدخل الفوري من مجلس الأمن الدولي في تحقيق ما يلي 
·  تعديل القرار لكي يصدر وفق الفصل السابع من الميثاق مع وضع جزاءات على النظام لمصلحة الشعب العراقي بكل طوائفه ومذاهبه وقومياته .
·  تشكيل فرق تفتيش من مجلس الأمن الدولي لمراقبة حقوق الإنسان في العراق  والقيام بزيارات للسجون العامة والخاصة والسرية و حضور جلسات المحاكمات وفحص الشكاوى والمعلومات  عن الانتهاكات لحقوق الإنسان التي ترد إلى فرق التفتيش الدولية لكي تقوم بالتحقق من ذلك. 

رقم قياسي في الاختفاء القسري 

سجل النظام في العراق- وبخاصة  منذ عام 1979 - أعلى رقم قياسي في عدد حالات الاختفاء بين جميع الدول في العالم بسبب الرأي السياسي أو الوشاية أو رفض الحرب أو الشك أو للأسباب  الطائفية أو القومية أو المذهبية .وقد جرت على الكثير منهم تجارب الأسلحة الفتاكة وصار العديد منهم فئران تجارب لهذه الأسلحة المحرمة دوليا  .بل أن البعض منهم علماء في فروع متعددة  من حقول المعرفة .وبلغ عدد حالات الاختفاء القسري اكثر من 16 ألف حالة مبلغ عنها إلى منظمة العفو الدولية (5).بل أن البعض منهم كان أستاذا للرئيس صدام في كلية الحقوق عام 1963 وفي عام 1968 وهو الأستاذ الدكتور صفاء الحافظ الذي اختفى عام 1980 ولم يعرف مصيره حتى الآن ..

وطبقا لتقرير منظمة العفو الدولية ( رقم الوثيقة MDE 14/02/93  )المؤرخة في أبريل 1993 أن العشرات  من رجال الدين و طلاب العلوم الدينية في المحافظات الجنوبية في العراق قد اختفوا من الوجود . والاختفاء هو قيام الحكومة باعتقال الأشخاص في أماكن غير معروفة أو محددة ثم تتم عملية صفيتهم جسديا  . 
لقد استحدث النظام وظيفة مغتصب في الأجهزة القمعية في مناطق كردستان و الجنوب وفي الكويت  خلافا لكل القيم والأعراف و الأديان والقوانين  . فالاغتصاب الجنسي كان يستخدم وسيلة منظمة من أجهزة القمع ضد الكرد والتركمان والآشوريين  وضد أبناء الكويت وهي جريمة لن تغتفر ولا يمكن لمن يرتكبها أن يفلت من العقاب , فهذه الجريمة لا تسقط بالتقادم ولن يمنح الفاعل أي عذر في تبرير الجريمة  كأن يدعي أو يتذرع انه نفذ أمرا واجب الطاعة من رئيس أعلى منة . وقد تم التعرف على العديد من أسماء هؤلاء المجرمين بعد الانسحاب من الكويت و بعد انتفاضة الكرد في كردستان و انتفاضة أبناء الجنوب والوسط .كما أن هناك عشرات الوثائق التي تم التحفظ عليها كوثائق تدين الفاعلين و المسؤولين عن هذه الجرائم الدولية .
وقد نجح النظام في العراق في تدمير القضاء العراقي الذي كان مثالا للنزاهة و الإخلاص و الاستقلالية في القرار من خلال هدم مبدأ استقلال القضاء كليا وعمل على إيجاد قواعد عدم المساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين حسب العنصر أو الدين أو الطائفة أو القومية أو العشيرة أو المنطقة الجغرافية أو النفوذ الاقتصادي أو القوة (6).فقد انعدم مبدأ المساواة أمام القضاء و انهار كليا مبدأ استقلال القضاء وهناك شواهد كثيرة لا يتسع المجال للدخول في تفاصيلها للدلالة على ذلك تشكل خرقا خطيرا للضمانات الأساسية للإنسان في الحياة بل أن المبدأ الذي شاع في عهد الرئيس صدام هو     (( أن الإنسان متهم حتى يثبت العكس )). وهو هدر كبير لحقوق الإنسان و الالتزامات الدولية .

وعلى صعيد الحريات الشخصية و منها الدينية والحياة الخاصة والمراسلات والتنقل والتملك  فقد انعدمت كليا هذه الحقوق حتى اصبح العراق بسبب هذه الانتهاكات اقرب إلى السجن الكبير وفي طليعة الدول التي تتميز بسجل اسود في انتهاكات حقوق الإنسان الثابتة.كما لم يتورع النظام عن استخدام ( الثاليوم ) لقتل المعارضين السياسيين أو المشكوك في ولائهم للنظام من المدنيين وضباط الجيش والمسؤولين في الحزب والدولة وكذلك في استعمال التصفيات الجسدية و في استعمال مادة حامض النتريك H2so4 في شكل أحواض لقتل البشر أو في استعمال الكلاب بعد تجويعها لغرض أكل البشر - كما حصل مع الدكتور راجي التكريتي عام 1993-, كما أن سجل الدكتاتورية سيئا في التجارة بالأعضاء البشرية ودفن البشر وهم أحياء إذ تتكشف بين فترة وأخرى مقابر جماعية في الجنوب وفي كردستان وهي من اكبر الأدلة على انتهاكات حقوق الإنسان التي تشكل جرائم دولية - كما سنبين ذلك -.
ولعل من ابلغ الانتهاكات لحقوق الإنسان في ظل حكم الرئيس صدام تأسيس فرق الموت ( فرق الموت والاغتيالات ) منذ تأسيس ما يسمى ب ( جهاز حنين) ثم ( مكتب العلاقات العامة ) ثم تأسيس فرق الإعدام الفوري من جهاز المخابرات أثناء الحرب العراقية - الإيرانية وقيام هذه الفرق بأعمال الإعدام للآلاف من الضباط والجنود العراقيين  دون محاكمة أو تحقيق . وما تبع ذلك من قيام فرق الإعدام ثانية بعمليات الإعدام الفوري بعد احتلال دولة الكويت الشقيقة في 2 أب 1990 للرافضين لهذا الاحتلال أو بحجة التخاذل وعدم تنفيذ الواجب العسكري وقد طال هذا الإعدام قادة عسكريين كبار كانوا محط تكريم الرئيس صدام أثناء الحرب العراقية- الإيرانية ( 7 ).
وما تزال هذه الفرق تنفذ مثل هذه العمليات ضد رجال الدين الشيعة في النجف الاشرف و كربلا و المحافظات العراقية الأخرى وقد اقدم النظام على جريمة اغتيال أية الله محمد صادق الصدر يوم 18 شباط 1999  (8), وكذلك في ممارسة التصفية الجسدية ضد الخصوم السياسيين و المعارضين ضد حكم الرئيس صدام والرافضين لعبادة الأصنام .وقد جاء في النشرة الأخبارية لمنظمة العفو الدولية     ( العدد 29 تموز 1999) إلى استمرار حملة الاعدامات السرية بلا هوادة في العراق بالرغم من الاتجاه العالمي إلى إلغائها من قوانين الدول و سواء أكان في الجرائم الصغيرة وغير الخطيرة أم في الجرائم التي يعتبرها النظام خطيرة ضده , بينما نعتقد بضرورة إلغاء عقوبة الإعدام نهائيا من القوانين العراقية . 
 
 

حملات التطهير العرقي  Ethnic cleansing
لعل من اخطر انتهاكات حقوق الإنسان التي مارسها وما يزال يمارسها النظام هي حملات التطهير العرقي في مختلف المناطق و المدن العراقية وبخاصة في مدينة كركوك ( التأميم ) حيث أن النظام قام منذ عام 1968 وفي عام 1970 وفي عام 1974, 1982 و1984  وما تبع ذلك حتى الآن من حملات قاسية في تغيير التركيبة السكانية في هذه المدينة وفي غيرها من المدن خلافا لكل القوانين والأعراف والأصول والأديان والشرائع وكذلك في فرض الهوية القومية العربية على السكان الأكراد و التركمان وهو ما يخالف حقوق الإنسان والدستور العراقي والقوانين العراقية التي وضعها النظام ولم يلتزم بها. بل أن عملية استعمال السلاح الكيماوي ضد الشعب الكردي,(9) و ضد الشيعة في الجنوب جريمة دولية لابد أن يحاسب الفاعل عنها وفي أن ينال العقاب مهما مر الزمن , فهذه الجريمة لا تسقط بمرور الزمان .
وفوق هذا فقد اقدم النظام على ارتكاب ابشع جريمة ضد البشر حين قام بتهجير اكثر من نصف مليون إنسان ضمن سياسة التطهير العرقي منذ عام 1968 و 1970 و 1977 و 1980 و 1981 و1982 بحجة انهم من التبعية الإيرانية و من أصول غير عراقية وان ولائهم هو إلى إيران وليس إلى العراق وقام بتوزيع ثرواتهم و أملاكهم على  بعض المسؤولين العراقيين الموثقة أسماؤهم وعناوينهم .
تجارب الأسلحة الفتاكة على البشر والتفنن في طرق التعذيب 
 طبقا للتقارير المحايدة من المنظمات غير الحكومية ووفقا لما يعرفه جيدا الكثير من الشعب العراقي فان النظام في العراق استعمل كل صنوف الأسلحة الفتاكة على البشر وقد جعل منهم فئران تجارب في معرفة تأثير السلاح البيولوجي والكيماوي وقد كان الأكراد و الشيعة و الأسرى الإيرانيين والمعارضين للنظام محلا لهذه التجارب . وهو مخالفة خطيرة و جريمة كبيرة ضد حقوق الإنسان لا يمكن أن تغتفر للفاعل أو المسؤول عنها .
أما عن طرق التعذيب ووسائل انتزاع الاعترافات من البشر فقد فاقت حدود التصور سواء في العراق أو أثناء احتلال دولة الكويت وسواء أكان ذلك في السجون العامة أم السجون الخاصة أم في السجون السرية للنظام .ولا نظن أن هناك دولة في العالم تفننت في استعمال وسائل التعذيب ضد البشر لغرض انتزاع الاعترافات مثل النظام في العراق الذي استعان بخبراء ومرتزقة  أيضا في استعمال هذه الأساليب غير الإنسانية . ولقد كشفت الوثائق التي تركتها الأجهزة الأمنية المنسحبة من كردستان - بعد انتفاضة الكرد  في آذار 1991- وكذلك الوثائق التي تم العثور عليها في الجنوب وفي دولة الكويت بعد تحريرها في آذار من  عام 1991 , ممارسات إجرامية بالغة الخطورة .ونذكر مثلا ما تم العثور علية و توثيقه بالفيديو بعد سقوط مديرية الأمن في محافظة السليمانية في الأسبوع الأول من شهر آذار عام 1991  عقب الانتفاضة حيث وجدت أعداد من النساء عاريات   تم تعليقهن من الثدي في أجهزة حديدية معلقة في غرف التعذيب وكذلك بقايا عظام بشرية مقطعة .وكذلك ما كشفته السلطات الكويتية بعد انسحاب القوات العراقية من وسائل بشعة في طرق التعذيب تم توثيقها 
ولذلك لم نسمع أو نطلع على مثيل  لهذه الوحشية و القسوة وممارستها ضد الخصوم في الرأي حتى في قوانين درا كون  سالفة الذكر .بل ما يزال استعمال وسيلة قطع الأطراف من الجسد  و الأذن أو القدم و الوشم على الجبين ساريا حتى ألان في العراق للهاربين من الأساتذة الجامعين و الرافضين للخدمة العسكرية في محرقات النظام . وما تزال  عقوبة الإعدام سارية دون ضمانات قضائية عادلة  لكل شخص ينتمي للمذهب البهائي وفقا لقانون صدر عام 1970 خلافا لحرية المعتقد المكفولة دستوريا و قانونا وفي إعلان حقوق الإنسان و في الالتزامات الدولية .بل أن ضمانات التقاضي تكاد تكون غير متوفرة حتى في المنازعات القضائية العادية .كما أن حرية الاعتقاد معدومة تماما في العراق .
ولعل من بين طرق التعذيب القاسية ضد البشر هي استعمال ورقة الحصة الغذائية كعقوبة ضد المواطنين العراقيين وفي فرض ظروف معيشة قاسية ضد أعداد كبيرة من العراقيين لتحقيق أهداف إبادة الجنس البشري ضدهم - كما هو الحال في مناطق الاهوار جنوب العراق - وكذلك في استعمال مبدأ العقاب  الجماعي ضد عوائل كثيرة خلافا لكل القواعد والقوانين و لحقوق الإنسان  . ويبدو أن النظام استعان بطرق النازية التي استخدمت أثناء الحرب العالمية الثانية وخبرات بعض البلدان, في التفنن بطرق التعذيب الوحشية  إرهاب الدولة.

سياسة التمييز الطائفي والعرقي 
  ومن الانتهاكات البليغة لحقوق الإنسان كذلك منذ عام 1968 وحتى الآن في العراق هي شيوع سياسة التمييز الطائفي و العرقي و القبلي والجغرافي في مختلف مناحي الحياة , في الوظائف , المناصب الدنيا و العليا سواء في المؤسسات المدنية أم في المؤسسات العسكرية , وكذلك التمييز بين المواطنين في التملك و في حق التقاضي و الخضوع للقانون وفي الايفادات و والبعثات الدراسية وفي القبول في الجامعات , بل أن سياسة التمييز شملت حتى المدارس و رياض الأطفال وفي الميزانيات المخصصة للجامعات في المحافظات العراقية كما شملت هذه السياسة الرعاية الصحية و العلاج الطبي حسب مقاييس النظام المخالفة لحقوق الإنسان .بل أن الواجبات والحقوق مختلفة بين المواطنين حسب الطائفة أو الدين أو العشيرة أو المنطقة الجغرافية أو  القومية أو الولاء للنظام وقد امتدت هذه السياسة لتشمل حتى في مقدار الحصة الغذائية الموزعة على المواطن وهو مما يخالف حقوق الإنسان والدستور والقوانين النافذة. و لهذا  فان من يزرع الريح لا يحصد إلا العاصفة ومثل هذه السياسة الخاطئة لن تقود العراق إلا إلى الكوارث و الخراب ولابد أن يأتي اليوم الذي يحاسب فيه المجرمين عن جرائمهم الدولية .
ومن هذه الانتهاكات أيضا قيام النظام بدرس القبور في النجف وكربلا وفي استخدامها لتخزين الأسلحة البيولوجية  والكيماوية والصواريخ و مختلف الأسلحة الفتاكة و كذلك في دفن عشرات الآلاف من شباب العراق وهم أحياء دون محاكمة كما حصل في النجف الاشرف وفي كربلا وفي البصرة وفي المحا ويل وفي كردستان وغيرها من مناطق العراق.
ومما يتعلق بذلك الحملات المنظمة من النظام لما يسمى سياسة ( تنظيف السجون ) والمعتقلات وكذلك فرض القيود على السفر وخضوع العراقيين إلى إجراءات أمنيه دقيقة قبل السفر - بعد أن كان السفر ممنوعا على العراقيين لسنوات عديدة - وكذلك فرض رسوم باهضه لمن يسمح له النظام بالسفر .وكذلك تجريد المواطنين من أملاكهم وإسقاط الجنسية العراقية عنهم وفي فرض أفكار البعث و العقيدة العسكرية المتخلفة بالقوة   على المواطنين من العرب والكرد والتركمان وغيرهم  وبخاصة في رياض الأطفال و طلاب المدارس و المعاهد والجامعات وفي استغلال الأطفال بصورة مخالفة لحقوق الطفل بإدخالهم في معسكرات وتدريبهم على السلاح بحجة وجود الخطر الخارجي. ومما يتعلق بذلك تعمد النظام إلى هدم القيم الأكاديمية في الجامعات العراقية وإشاعة الرشوة والرذيلة وتشجيع تجارة الأعضاء البشرية وبيع الدم والتدخل في خصوصيات الحياة وكذلك التشجيع على ممارسة الوشاية كجزء من سياسة الإرهاب .

نخلص من ذلك إلى القول أن جرائم النظام في العراق بلغت حدا خطيرا من الانتهاكات إلى الحد الذي عد العراق من أسوء البلدان التي تنتهك  فيها حقوق البشر بعد الحرب العالمية  الثانية وفي مخالفة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وفي ميدان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية و الحقوق المدنية و السياسية وفقا لتقارير المنظمات المحايدة مثل منظمة العفو الدولية و منظمات حقوق الإنسان و تقارير السيد ماكس شتويل وغيرها من الأطراف غير الحكومية إلى جانب ما تعرض له و ما يرويه أبناء العراق من قصص المعاناة التي صارت اقرب إلى الخيال منها إلى الحقيقة .وهذا يتطلب ضرورة التدخل بتفعيل القرار رقم 688 وتعديله لكي يصدر حسب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لكي يصبح ملزما للنظام ووضع الجزاءات القانونية على النظام لحماية الشعب العراقي و ضرورة رفع الحصار الاقتصادي عن الشعب العراقي وفي ضرورة مساعدة الشعب العراقي على بناء مجتمع مدني تعددي قائم على احترام القانون وحقوق الإنسان وعلى المؤسسات الدستورية . 

وفي هذا السياق لابد من التأكيد على ما ذكرته لجنة حقوق الإنسان الدولية التابعة للأمم المتحدة في جنيف التي طلبت النظام في العراق باحترام حقوق الإنسان و رفضها تذرع النظام بحجة وجود العقوبات الاقتصادية التي تحول دون احترام هذه الحقوق وقد قالت اللجنة (( أن معاناة العراقيين من العقوبات لا تبرر انتهاك حقوق الإنسان)) .
وليس من الغريب أن يبرر بعض المسؤولين العراقيين هذه الانتهاكات تنفيذا للأوامر العليا وتحت طائل الخوف , ولهذا من الطبيعي أن يفتعل النظام الأزمات الداخلية أو الخارجية للسيطرة على المواطنين ومصادرة حقوقهم بحجة وجود الخطر الخارجي , هذا الخطر الدائم على السلطة والنفوذ و نهب الثروة الوطنية التي طالت حتى الآثار العراقية التي هي ثروة وطنية تخص تاريخ العراق أولا وتاريخ الإنسانية ثانيا. ذلك أن من طبيعة النظام الدكتاتوري هو افتعال هذه المخاطر على الدوام لغرض إحكام السيطرة على الشعب و تركيز قبضته من خلال المغريات للأجهزة و العقاب وإشاعة الخوف ضد المواطنين بممارسة  سياسة إرهاب الدولة. فسرقة الآثار وبيعها جريمة يمارسها بعض المسؤولين العراقيين المتنفذين في السلطة. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

القسم الثاني 

الجرائم الدولية ضد حقوق الإنسان في العراق
International crimes against Human Rights in Iraq
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

قبل بيان الجرائم الدولية في العراق التي ارتكبها النظام  لا بد من توضيح أقسام  الجرائم الدولية التي توزع إلى ثلاثة أنواع وهي 
1. جرائم مرتبطة بالحرب                             War Crimes 
2. جرائم ضد السلم       War against peace 
3. جرائم ضد الإنسانية            Crimes against Humanity

والجريمة الدولية تنفذ بصورة عمدية وهي جريمة كبرى    high crime, أي ترتكب مع وجود القصد الجنائي للفاعل criminal intent , ولهذا لا ترتكب الجريمة الدولية في شكل جنحة أو مخالفة أو بطريقة غير عمدية أي خالية من القصد الجنائي . لذلك تعد الجريمة الدولية جناية خطيرة Infamous Crime    تهز الأمن والسلم الدوليين ولا تنحصر أثارها على إقليم الدولة فقط و إنما تمتد أثارها إلى المجتمع الدولي أيضا وتطبق عقوبتها باسم الجماعة الدولية  ويمكن تعريفها على إنها (( واقعة إجرامية تخالف قواعد القانون الدولي سواء أكان الفعل الذي يشكل جريمة في صورة فعل, جريمة بفعل إيجابي , أم امتناع عن فعل وهي  الجريمة سلبية  )).

أركان الجريمة الدولية ضد حقوق الإنسان

يمكن تحديد هذه الأركان على النحو التالي
1. الركن الشرعي - ويقصد به النص القانوني الذي يجرم الواقعة ( الفعل أو الامتناع ) من الأعراف و الاتفاقيات و النصوص الدولية الموقع عليها من الدول مثل اتفاقية تحريم إبادة الجنس البشري genocide   وهي جريمة ضد وجود البشر إما أن تكون في صورة إبادة مادية بالقتل للتخلص من قومية معينة أو عنصر معين أو طائفة معينة كما حصل في العراق في كردستان العراق وفي أعوام مختلفة وكذلك ضد أبناء الجنوب في العراق من خلال حملات الإبادة المنظمة والموثقة دوليا , وقد تكون الجريمة في شكل إبادة بيولوجية مثل تعقيم البشر و إبادة ثقافية كتحريم النطق باللغة القومية إن الثقافة التي تتميز بها القومية أو الطائفة أو الجماعة , ومما يتعلق بالنص الشرعي كذلك النص على أسس الحرب الظالمة والجرائم ضد السلام كحيازة الأسلحة الفتاكة وشن الحرب و الجرائم ضد الإنسانية التي تخص انتهاكات حقوق الإنسان .
2. الركن المادي -ويقصد به الأفعال أو الامتناع عن الأفعال التي تشكل جريمة دولية أي هو التصرف العمدي الخطير  بحد ذاته .
3. الركن المعنوي -أي أن الجريمة الدولية لا يمكن أن تكون بدون قصد جنائي عند ارتكابها وهو ما يدل على خطورة الجريمة الدولية التي تهز أركان المجتمع الدولي في أمنه وتهدد السلم العالمي.ولهذا تعد الجريمة الدولية من درجة الجنايات العمدية الكبرى ولا تعد الجريمة الدولية من درجة الجنحة أو المخالفة .ولغرض إلقاء الضوء على الجرائم الدولية التي ارتكبت من النظام في العراق لابد من الإشارة بإيجاز لهذه الجرائم على النحو التالي

أولا - الجرائم المرتبطة بالحرب في العراق    War crimes in Iraq 

   على الرغم من أن  أوضاع الحرب تسبب انتهاكات بليغة لحقوق الإنسان , إلا أن هناك من الجرائم التي ترتكب أثناء الحرب تخالف قواعد القانون الدولي و بخاصة الاتفاقيات الدولية المنصوص عليها والتي تنظم قواعد الحرب .فجريمة العدوان وجريمة شن الحرب الظالمة هما من اخطر جرائم الحرب طبقا لقواعد القانون الدولي وهي جرائم ترتكب أثناء النزاعات المسلحة وتهدد الأمن والسلم الدوليين ويعتبر مرتكبي هذه الجرائم من مجرمي الحرب ومن أعداء الإنسانية ولابد من محاكمتهم دوليا أمام محكمة جنائية دولية خاصة . فللحرب قواعدها و أسسها التي نظمتها قواعد القانون الدولي وهؤلاء هم من أعداء الإنسانية ويمكن أن نوضح القواعد الأساسية المنظمة للحرب وهي 
1. اتفاقية لاهاي لعام 1899- 1907
2. قواعد تحريم استخدام أسلحة الدمار الشامل مثل السلاح النووي و السلاح الكيماوي و كذلك السلاح البيولوجي. وهناك اتفاقيات عديدة وقعت عليها دول العالم والتزمت بها حفاظا على الأمن والسلم الدوليين إلا هناك البعض من الدول لم توقع على هذه الاتفاقيات .
3. برتوكول جنيف في تحريم استعمال الغازات السامة و الخانقة و وسائل الحرب الجرثومية لعام 1925.

ومن المعلوم أن مجلس الأمن الدولي أدان النظام في العراق على استعماله السلاح الكيماوي ضد الشعب الكردي في مدينة حلبجة عام 1988 وذلك بموجب القرار الصادر في 26-8-1988 وقد استعمل السلاح الكيماوي ضد أبناء الجنوب في العراق و في تسميم الاهوار وتجفيفها أيضا عام منذ عام 1991 كما تم تخزينها في قبور النجف وكربلا وهي من الجرائم الدولية التي يجب محاسبة المسؤولين عنها حسب القواعد القانونية الدولية المتعارف عليها وذلك أمام محكمة خاصة جنائية دولية تشكل لهذا الغرض لمحاسبة الفاعلين و إيقاع الجزاء القانوني عليهم .
 

نماذج من جرائم الحرب الدولية المرتكبة في العراق 

1. جريمة إبادة الجنس البشري    genocide 
       تعتبر هذه الجريمة من اخطر الجرائم الدولية التي ارتكبت في العراق ضد الشعب الكردي في كردستان العراق من خلال تطهير العرق الكردي جغرافيا , أي من المناطق الكردية , والإبادة الثقافية وفي  سياسة تعريب الكرد على نحو ما بيناه , وكذلك ارتكبت هذه الجريمة ضد عرب الاهوار في جنوب العراق , مدينة العمارة و مدينة الناصرية و البصرة , وارتكبت هذه الجريمة البشعة ضد التركمان في محافظة كركوك أيضا .
2. إبادة الجنس البشري من خلال استعمال السلاح الكيماوي ضد الكرد و ضد الشيعة في جنوب العراق وفي الاهوار.وقد حصل ذلك في الأعوام  1988 و في 1991.
3. ضرب الأهداف المدنية بالصواريخ و الطائرات أو من خلال القصف المدفعي كما حصل في أثناء الحرب ضد إيران التي بدئها النظام في العراق وكذلك ضد أبناء النجف وكربلا و البصرة والسماوة والديوانية والمدن العراقية الأخرى التي انتفضت ضد النظام عام 1991 .
4. دفن البشر وهم أحياء . فلقد قام نظام الرئيس صدام بدفن مئات الألوف من الشباب وهم أحياء في كردستان العراق و في النجف و كربلا و البصرة والعمارة و السماوة وغيرها من المدن العراقية . وتعد هذه الجريمة من جرائم الحرب الخطيرة ضد الشعب العراقي ولا يمكن أن تسقط بالتقادم مهما مر من الزمان وان الفاعل لها يعد مجرما دوليا عاديا و لا يمكن أن يتذرع المجرم الدولي بأنه ارتكب جريمته للأغراض أو بدوافع سياسية .فالمجرم الدولي ليس مجرما سياسيا ولا يمنح حق اللجوء السياسي مطلقا .
5. جريمة إعدام الأسرى . تنظم شؤون أسرى الحرب اتفاقيات دولية محددة , وللأسير حقوق واضحة وثابتة لا يمكن إغفالها مطلقا ولا يجوز مثلا انتزاع الاعتراف من الأسير بالقوة أو إعدامه أو قتلة أو إهانته .ولذلك يعد إعدام الأسرى أو دفنهم وهم أحياء جريمة دولية طبقا لقواعد القانون الدولي وان هذه الجريمة هي من جرائم الحرب و أن الفاعل لها هو مجرم حرب يخضع للمحاسبة .
6. جريمة تعذيب الأسير في الحرب أو انتزاع الاعتراف بالقوة منة .
7. جريمة اغتصاب النساء .وقد ارتكبت هذه الجريمة ضد الشعب الكردي في منطقة كردستان وكذلك في دولة الكويت ضد الشعب الكويتي أثناء الاحتلال .
8. جريمة زرع الألغام ضد البشر . وقد قام نظام حكم الرئيس صدام بزرع اكثر من 10 مليون لغم ضد البشر في منطقة كردستان ضد الكرد . 

ومن المعلوم - طبقا لقواعد القانون الدولي - أن مرتكب الجريمة الدولية لا يجوز منحة حق اللجوء مهما كان نوعه , لجوءا سياسيا أم لجوءا إنسانيا , فلا يجوز منحة حق اللجوء السياسي لأنة ليس سياسيا ولا تعد جريمته المرتكبة جريمة سياسية , و لايمكن أن يمنح حق اللجوء الإنساني لانه مجرم عادي مطلوب للعدالة ولابد من محاسبته أمام القانون عن الجرائم التي ارتكبها وفي أن ينال الجزاء العادل الذي يستحقه قانونا .
ثم أن هذه الجريمة لا تسقط بالتقادم مطلقا , أي لا تسقط بمرور الزمان و إنما تبقى الجريمة قائمة وثابتة على الفاعل ولا يستطيع أن يتخلص الفاعل منها بحجة مرور الزمان - وهذا ما حصل بالنسبة  إلى دكتاتور تشيلي السابق (بي نوشيه ) , كما أن مرتكب الجريمة الدولية لا يعفى من المسؤولية حتى ولو كان يشغل منصب رئيس دوله طبقا إلى اتفاقية عام 1970. ويجب أن يحاكم أمام محكمة جنائية دولية خاصة عن هذه الجرائم الدولية ولا يجوز أن يفلت من العقاب كما لا يملك أي طرف حق الإعفاء عن هذه الجريمة أو إسقاطها .وليس هناك إيه حصانه قانونية أو دبلوماسية أو قضائية للمجرم الدولي . 

ونشير هنا إلى دور الصليب الأحمر ( اللجنة الدولية ) في المبادرة لتدوين قواعد القانون الدولي الإنساني أي في وضع قواعد قانونية في أثناء النزاعات المسلحة تهدف إلى حماية الإنسان كما بادرت إلى تدوين قواعد القانون الدولي الإنساني وتحت اتفاقية جنيف في 12-8-1949 واتفاقية لاهاي 1899 و 1907 وبرتوكول جنيف 1925 .
وللصليب الأحمر الدولي دوره في حماية القواعد الأساسية لحقوق الإنسان أثناء النزاعات المسلحة وهي مثلا 
· عدم جواز مهاجمة الأشخاص من الأبرياء الذين لم يدخلوا النزاع المسلح وهم ( المدنيون ).
· حظر قتل أو جرح العدو الذي يستسلم أو يصبح عاجزا عن القتال ومعاملة أسرى الحرب بصورة إنسانية .
· رعاية الجرحى والمرضى و معالجتهم طبيا حسب الأصول .
· صيانة الحقوق البشرية الأساسية للأسرى .
· تمتع جميع الأشخاص بالضمانات القانونية في محاكمة عادلة عن الاتهامات بارتكاب الجرائم .
· ليس لأي طرف في النزاع حق مطلق  في اختيار أسلوب الحرب أو السلاح الذي يستخدمه أو في استعمال شارة الصليب الأحمر للأغراض العسكرية .
· حظر سلب أو نهب أو سرقة الممتلكات أو اعتبارها غنائم حرب .
وللأسف فان جميع هذه القواعد الأساسية لم تحترم من النظام في العراق لا في أثناء الحرب العراقية الإيرانية ولا في أثناء قمع الانتفاضة في كردستان و جنوب العراق ولا في  دولة الكويت .
ثانيا - الجرائم ضد السلم    Crimes against peace 

  من المعروف أن للإنسان حقوق ثابتة وقت السلم أيضا وهذه الحقوق محمية بموجب الصكوك الدولية وبخاصة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان , وهذه الحقوق تشمل الحقوق المدنية و الحقوق السياسية ( الحق في الحياة والحق في حرية العقيدة و الحق في السلامة الجسدية …) وكذلك له من الحقوق الاقتصادية و الحقوق الاجتماعية و الحقوق الثقافية ( الحق في العمل والحق في التعليم والحق في الصحة والحق في الغذاء و الحق في الثقافة ..).

بناء علية فان أي اعتداء على هذه الحقوق يشكل خرقا لقواعد القانون الدولي وتعد الجريمة دولية يحاسب الفاعل عنها وتعد جرائم مخلة بسلم الإنسانية . على أن هذه الجرائم قد ترتكب وقت الحرب أو في زمن السلم وهي جرائم ضد وجود البشر و وضد حقوقه ويمكن ذكرها على النحو التالي
·  أي عمل من أعمال العدوان مثل أعمال التخطيط لغرض إلحاق الأذى بدولة من الدول , ومثال ذلك أعمال التخطيط في احتلال دولة الكويت عام 1990 وكذلك أي حرب تنتهك المعاهدات أو الاتفاقيات الدولية أو الضمانات الدولية أو الإعداد لهذه الحرب أو الشروع فيها أو شنها . 
· الاشتراك في خطة أو في مؤامرة مشتركة لغرض إنجاز أي من هذه الأفعال العدوانية المذكورة .
· جريمة ضم إقليم تابع لدولة من الدول بالقوة وهو تابع إلى دولة أخرى .

ثالثا - الجرائم ضد الإنسانية      Crimes against Humanity 

 اعتبر مجلس الفاتيكان هذه الجرائم موجه ضد الله والإنسان على أساس إنها جرائم تنتهك حقوق الإنسان . وقد حددت هذه الجرائم مبادئ محكمة نورمبرغ في إنها تعد جرائم دولية ترتكب عمدا ضد الإنسانية وهي بمثابة جرائم كبرى وخطيرة يعد فاعلها مجرما دوليا خطيرا , و مثال ذلك قتل السكان المدنيين أو إبادتهم بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو المذهب أو غير ذلك وكذلك جريمة نفي السكان المدنيين ومثال ذلك عمليات تهجير مئات الآلاف من العراقيين بعد إسقاط الجنسية عنهم بحجة انهم من التبعية الإيرانية وكذلك عمليات تهجير الكرد من مدينة كركوك و المناطق الحدودية الأخرى وجريمة الأنفال و كذلك جريمة تدمير اكثر من 4500 قرية يسكنها الكرد بحجة إنها تقع على الحدود العراقية - الإيرانية .وتعد من الجرائم ضد الإنسانية ممارسة الاضطهاد الديني ضد المواطنين وكذلك تسميم الاهوار في جنوب العراق و التدخل في الشؤون الداخلية للدول .

ومن الجرائم ضد الإنسانية قتل أفراد الجماعة العرقية أو الدينية أو القومية مثل اغتيال رجال الدين الشيعة في النجف وكريلا  ومن هؤلاء مثلا جريمة اغتيال عدد من رجال الدين من أسرة السيد الحكيم و عدد من أسرة السيد بحر العلوم وجريمة اغتيال أية الله ميرزا الغروي و الشيخ مرتضى البرجوردي والسيد آيه الله محمد صادق الصدر  والسيد محمد باقر الصدر وشقيقته بنت الهدى و أبناء السيد أبو القاسم الخوئي و علماء آخرين غيرهم  وكذلك تعمد خلق ظروف معاشيه صعبة لغرض إبادة شعب من خلال سوء التغذية و تعقيم البشر و جريمة الإيذاء الموجه ضد المشاعر و الأحاسيس .
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

الخاتمة والتوصيات 

نظرا للانتهاكات البليغة لحقوق الإنسان في العراق لابد من اتخاذ الخطوات اللازمة  لحماية هذه الحقوق وهي 
1. تفعيل القرار 688 وتعديله لكي يصدر وفق الفصل السابع من الميثاق لكي يكون ملزما وضرورة تشكيل فرق تفتيش لفحص واقع حقوق الإنسان في العراق .
2. تشكيل محكمة جنائية دولية خاصة لمحاسبة المسؤولين العراقيين عن الجرائم الدولية التي ارتكبوها ضد الشعب العراقي وضد الإنسانية .
3. تعويض المتضررين من هذه الجرائم الدولية حسب الأصول القانونية .و إلغاء المحاكم الخاصة وبخاصة المحاكم الاستثنائية و إيقاف التدخل في الشؤون القضائية و أعمال القضاء وتفعيل دور المؤسسات الدستورية.
4. إلغاء عقوبة الإعدام من جميع القوانين العراقية وضرورة قيام المجتمع الدولي بتفعيل الجزاءات على الأنظمة المخالفة والمنتهكة لحقوق البشر .
5. إنشاء محكمة دستورية عليا تراقب دستورية القوانين وخضوع الدولة والحكام و المحكومين للقانون . 
6. رفع الحصار الاقتصادي عن الشعب العراقي وتفعيل دور الأمم المتحدة ومنظماتها الإنسانية لرفع معاناة الشعب العراقي .
7. تجميد الأرصدة المسروقة من الدولة العراقية و أعادتها إلى خزينة الدولة و إعادة الآثار المسروقة للعراق تحت الأشراف الدولي .
8. ضرورة قيام الأمم المتحدة باقتطاع جزء من عائدات النفط ودفعة للعراقيين المهجرين و المهاجرين واللاجئين المسجلين لدى الدول المستضيفة والهاربين من جحيم النظام حسب مستوى المعيشة  لهذه الدول  وتعويض المتضررين  عن الأضرار المالية و الجسدية والمعنوية و حسب الأدلة المتوفرة .ونأمل من منظمة العفو الدولية أن تسعى في طرح المقترح المذكور الذي سيخفف من معاناة الشعب العراقي كثيرا ممن هربوا من النظام إلى المنافي . 
 

هوامش
1. انظر تفصيلات أخرى في المقابلة الصحفية التي آجرتها صحيفة الزمان في لندن في أكتوبر 1999 مع الدكتور عبد الحسين شعبان - رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان - فرع لندن
2. انظر تقرير منظمة العفو الدولية ( نقض العهود و إهدار حقوق الإنسان في كردستان - العراق ) شباط 1995
3. راجع ما نشرته صحيفة الحياة عن هجرة العقول من العراق - العدد الصادر يوم 17-9-1999 ص 21
4. انظر 
       State cruelty- branding, amputation and the death penalty -April 1996 
Amnesty international - London - Iraq - 1996
5 -انظر تقرير منظمة العفو الدولية الخاص بالاختفاء القسري من العراق -1999 
6- راجع المقابلة الصحفية مع الأستاذ الدكتور عبد الحسين شعبان- صحيفة الزمان المشار أليها .
7- تقرير منظمة العفو الدولية - المجلد 29 - تموز 1999 
8-البيان الصحفي لمنظمة العفو الدولية يوم 23-2-1999 رقم الوثيقة 99-01-14 MDE
9- Torture in Iraq - 1982-1984 Amnesty international - London 
وانظر مقال الأستاذ الدكتور نوري الطالباني المنشور في صحيفة الزمان يوم 8 نوفمبر 1999 حول المناطق الكردية التي قصفت بالسلاح الكيماوي في كردستان العراق. وانظر كذلك بحث الدكتور سعد محمد سعيد العنبكي - دراسة غير منشورة عن موضوع محاكمة صدام حسين كمجرم دولي - باريس في 1999 . 
 
 

الدكتور منذر الفضل  -  أستاذ جامعي  ( مستقل )
محاضرة ألقيت في المؤتمر الدولي المتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان والجرائم الدولية في العراق  المنعقد  في لاهاي - هولندا - للفترة من 11-13  أيلول 1998 و ألقيت في السويد - منظمة الصليب الأحمر الدولي في Stockholm  في عام 1998 لمناسبة مرور 50 عاما على صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان .
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

 
 


 
 

مشكلات التطرف و الإرهاب الدولي
The problems and risks of extreme and international terrorism 
إرهاب الدولة و إرهاب الأفراد


                                        منذر الفضل

أصبحت مشكلات التطرف والإرهاب  من القضايا المهمة والخطيرة على مختلف المجالات, تزعزع الأمن الوطني وتهدد الأمن والسلم الدوليين , لاسيما في منطقة الشرق الأوسط , حيث ما تزال تبذل العديد من الجهود إقليميا و دوليا لمكافحة ظاهرة الاضطراب السياسي و أعمال العنف و التعصب , لذلك لابد من تحديد بعض المصطلحات وتمييزها عن بعضها البعض قبل أن ندخل في بيان البعض من مشكلات ومخاطر الإرهاب ومنها إرهاب الدولة المنظم , إذ من المعلوم أن هناك فرقا بين الانغلاق الأعمى لرأي أو فكرة معينة أي الجمود الفكري وعدم الاعتراف بالرأي الأخر  وبين التطرف أي المغالاة  في الآراء أو المواقف ثم الإرهاب الذي قد يمارس من فرد أو جماعة أوقد يمارس من  الدولة والذي  يسمى ب  إرهاب الدولة , وهو ما سنبينه على النحو التالي مشيرين إلى بعض النتائج العامة في مكافحة التعصب و التطرف والإرهاب = 

أولا  مفهوم التعصب The concept of  fanaticism
التعصب في اللغة عدم قبول الحق عند ظهور الدليل بناء على ميل إلى جهة أو طرف أو جماعة أو مذهب أو فكر سياسي أو طائفة. والتعصب من العصبية وهي ارتباط الشخص بفكر أو جماعة والجد في نصرتها  والانغلاق على مبادئها . ويطلق على الشخص ب المتعصب Fanatical.وهذا التعصب قد يكون تعصبا دينيا أو مذهبيا أو سياسيا أو طائفيا أو عنصريا وهو سلوك خطير قد ينحدر نحو الاسوء ثم يؤدي إلى التطرف و الهلاك والخراب بسبب التشدد وعدم الانفتاح وعدم التسامح أيا كان نوع التعصب ومهما كان شكله أو مصدرة . ولعل اخطر أشكال التعصب هو التعصب القومي و التعصب الديني حيث تمارسهما بعض الجماعات أو الأنظمة الدكتاتورية أو تحرض عليهما أو تشجعهما خلافا للقوانين وللالتزامات الدولية وللديانات السماوية و القيم الإنسانية النبيلة القائمة على المحبة والتسامح والاعتراف بحقوق الإنسان واحترام التعددية القومية والتعددية السياسية والتعددية المذهبية والتعددية الدينية . ولا يمكن أن نتصور وجود مجتمع أنساني مستقر و آمن ويعيش الناس  في ظله بأمان و بسلام مع وجود التعصب الذي يرفض الحق الثابت والموجود ويصادر الفكر الأخر أو القومية الأخرى أو يحظر حرية العبادة أو لا يعترف بوجود الطرف الأخر.

ثانيا مفهوم التطرف The concept of extreme
التطرف هو الشدة أو الإفراط في شيء أوفي موقف معين وهو أقصى الاتجاه أو النهاية و الطرف أو هو الحد الأقصى, وحين يقال إجراء متطرف يعني ذلك الإجراء الذي يكون إلى ابعد حد ,وهو الغلو وحين يبالغ شخص ما في فكرة أوفي موقف معين دون تسامح أو مرونة يقال عنة شخص متطرف في موقفة أو معتقدة أو مذهبة السياسي أو الديني أو القومي, والمتطرف في اللغة من تجاوز حد الاعتدال.

 والتطرف معروف في العديد من دول العالم في القضايا الدينية و السياسية و المذهبية و الفكرية و القومية وغيرها.و هذا التطرف ناتج عن الانفعال وهو إجراء يائس من شخص أو جماعة ضد طرف أخر. فإذا اقترن التطرف بالعنف و الأعمال الفعلية  الإجرامية التي تفزع الناس وتهدد الأمن و الأشخاص المدنيين وتقلق أمن المجتمع أصبحت من الأعمال الإرهابية لان التطرف اصبح يثير الفزع والخوف والرعب وهو أقصى درجات اليأس و القسوة المدمرة.لذلك فان التطرف هو المغالاة السياسية أو الدينية أو المذهبية أو الفكرية وهو أسلوب خطير ومدمر للفرد و للجماعة ولكيان المجتمع والدولة لابد من مقاومته بطرق وأشكال متعددة أيا كان الطرف القائم به بتفعيل دور القانون.

ثالثا -مفهوم الإرهاب The concept of terrorism

الإرهاب من الرهبة أي الخوف أو  هو التخويف وإشاعة عدم الاطمئنان وبث الرعب والفزع   Terrorو غايته إيجاد عدم الاستقرار بين الناس في المجتمع لتحقيق أهداف معينة , فالإرهاب هو العنف المخيف ويقال في اللغة الراهبة أي الحالة التي تفزع , كما أن  العنف الذي يمارس ضد الإنسان وحقوقه الأساسية هو الإرهاب أيا كان مصدرة أو القائم به  .ويقال عن الرهيب و المرهوب هو ما يخاف منة من عمل أو فعل يثير الخوف أي الرعب  Fright. 

ولاشك أن النظريات الدكتاتورية معروفة للجميع وهي تعني اضطهاد البشر  و سوء استخدام السلطة و ممارسة العنف من خلال القوة . والنظريات الدكتاتورية التي اقترنت بالإرهاب هي إما الفكر الفاشي     fascism أو النازية nazism  أو دكتاتورية الطبقة العاملة . (1)

وقد نشأت الفاشية في إيطاليا وارتبطت باسم ( موسيليني Mussolini ) وارتبطت النازية كحركة عنصرية باسم هتلر   Hitler   في ألمانيا  كما ارتبطت دكتاتورية الطبقة العاملة  باسم  كارل ماركس - انجلز ولينين و جرت ممارسة الاضطهاد و العنف والتفزيع  باسمها  بصورة خاصة منذ عهد ستالين Josef Stalin  , وتقوم كل نظرية على أساس الطاعة العمياء من الشعب وإجبارهم بالقوة على ذلك بطرق وحشية أو تر غيبية عديدة. ففي أوربا ما تزال الجماعات النازية تمارس الأعمال الإرهابية وتثير الخوف و الفزع وتهدد الأمن من خلال الأعمال الإجرامية كالتفجيرات والسرقة والقتل و السلب والتهديد  لتنفيذ الأهداف العنصرية وإيجاد الحقد و التمييز العنصري وترويجه. 
بل أن هذه الأعمال الإرهابية برزت بصورة واضحة وخطيرة في العديد من الدول الاسكندنافية ولا سيما في السويد إذ أن الجماعات النازية racismالتي تؤمن بان العرق هو العامل في تقرير السمات والمواهب البشرية وان الفروق العرقية تولد امتيازا فطريا عند عرق بعينة ولهذا تؤمن الجماعات النازية بالحقد العنصري والفاشية rasist أو racialism   وهي السلالة أو العنصر أيضا تمارس بفاعلية  العمل الإرهابي من خلال الأعمال الإجرامية من قتل ونهب وسلب بقوة السلاح  والتهديد والوعيد و قد اعتبر يوم 30 نوفمبر  من كل عام يوما للنازية احتفالا بيوم ميلاد هتلر . واصبح العنف الذي تمارسه هذه الجماعات خطرا حقيقيا يهدد السلم والاستقرار إلا انه ظهرت حملات إعلامية مضادة للنازية والفاشية .
وقد انتشرت الأفكار العنصرية واليسارية  في دول عديدة بعد الحرب العالمية الثانية ولاسيما انتقالها إلى بعض الأحزاب القومية العربية والى بعض الأشخاص العرب الذين طرحوا - وهما منهم -فكرة علوية الأصل  أو العنصر العربي على الأصول و الأجناس الأخرى وقد روجوا هؤلاء هذه الفكرة  الضيقة تحت تأثير الفكر النازي و الفاشي و السياسة التي اتبعها ستالين Stalin. بل أن هذه الآراء دفعت بعض الحكام العرب في الأنظمة الدكتاتورية إلى نشر هذه الفكرة تحت طائلة الترغيب و الترهيب و في استعمال القوة و الحروب  والتمجيد بالانتصارات الزائفة  من الماضي وفي محاولة تفسيرها بصورة تخدم الفكرة المذكورة وفي ممارسة إرهاب الدولة ضد المواطنين وفي اضطهاد القوميات الأخرى خلافا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان و للقيم السماوية والإنسانية كما هو الحال في العراق منذ عام 1968. فقد نشرت منظمة العفو الدولية تقريرا مفصلا في نوفمبر 1999( رقم الوثيقة MDE14-10-99 ) عن الجرائم الإرهابية المرتكبة من نظام الرئيس صدام ضد الشعب العراقي والمتمثلة في صورة انتهاكات ( فظيعة ) لحقوق الإنسان في العراق وفي إفلات الفاعلين من كل مسؤولية عن هذه الجرائم , من حيث العقاب و التعويض للمتضررين. وقد جاء عنوان الوثيقة تحت اسم (( العراق ضحايا القمع المنظم Iraq.victims of systematic repression ). 

   وقبل الدخول في الموضوع وبيان بعض التساؤلات عن المشكلات التي يثيرها التطرف و الإرهاب  لابد من القول أن مفهوم الإرهاب هو مفهوم نسبي متطور يختلف من مكان إلى أخر ومن شخص إلى أخر ومن عقيدة أو فكر إلى أخر وحسب الظروف المتغيرة  رغم وجود بعض القواسم المشتركة ولهذا من الصعب أن نقول بوجود مفهوم واحد للإرهاب أو للجريمة السياسية أو للعنف السياسي  يمكن أن يقبل به الجميع أو يمكن أن يرضي الكل ولهذا نعترف أن ليس هناك تعريفا محددا واضحا أو دقيقا للفكر الإرهابي   .وقد يكون الإرهاب محليا أي داخليا  أو دوليا يمارس على نطاق دولي( حين يأخذ طابعا دوليا وتتعكر قواعد الأمن والسلم الدوليين ) كما حصل في أفريقيا  بالنسبة للتفجيرات  ضد السفارتين الأمريكيتين  مؤخرا وراح ضحيتها مئات من  السكان المدنيين الأبرياء الذين لا صلة لهم بالصراعات السياسية وكذلك في الجزائر وأفغانستان و السودان والعراق  وتركيا  وكوسوفو والشيشان وروسيا طبقا لتقارير منظمة العفو الدولية ومنظمات محايدة  مهتمة بحقوق الإنسان . وهذا الإرهاب الدولي يثير الفزع العام و الخطر الشامل المنظم المتعمد ضد الإنسان والدولة و المجتمع . وأيا كان الإرهاب محليا أم دوليا  , فهو  يعد جريمة عمدية  خطيرة لان الفاعل لها هو مجرم عادي لا يتمتع بأي حصانه. ونشير إلى أن جرائم التطهير العرقيCrimes of Ethnic cleansing  التي ترتكب من الدولة أو من الجماعات أو الأفراد هي من الجرائم الإرهابية لأنها تثير الخوف والفزع والرعب في نفوس البشر وتخالف قواعد حقوق الإنسان .ومن الجرائم الإرهابية ضرب الأهداف المدنية وحرق القرى و الأهداف المدنية وهي من الجرائم الدولية التي لا تسقط بالتقادم .وكذلك الأعمال الإجرامية المتمثلة في مهاجمة الباصات التي تحمل السياح  أو مهاجمة  المساجد كما هو الحال في باكستان  أو الكنائس أو دور العبادة كما هو الحال في إندونيسيا وتيمور . فالعمل الإرهابي هو عمل إجرامي لابد من الوقوف ضده بقوة وحزم مهما كان مصدرة ولا سيما إرهاب الدولة الذي يكرس عبادة الفرد.لان القائم بالعمل الإرهابي لا يحترم قانون ولا يعرف الرحمة ولا الشفقة ولا يعرف القيم الأخلاقية أو الدينية أو الإنسانية  ولا يقيم وزنا للتسامح ولقيم الخير لهذا  فالإرهابي كما يصفه بعض الفلاسفة ( ذئب في شكل بشر ).وهذا العمل الإرهابي قد يكون إرهابا داخليا محصورا في داخل الدولة أو إرهابا خارجيا يمتد نشاطه إلى المجتمع الدولي برعاية من دولة أو اكثر أو من جماعات سياسية أو أفراد .

وهذا الإرهاب ضد الإنسان يمارس أحيانا باسم الدين من أحزاب  دينية ( سماوية أو غير سماوية ) ذات أهداف  سياسية  وأحيانا بدوافع  القومية العنصرية أو بدوافع مذهبية أو طائفية ضيقة أو للأغراض  السياسية من شخص أو أشخاص أو جماعة أو حزب .كما أن عصابات الجريمة المنظمة Mafia  تمارس أعمالا إرهابية كما هو الحال في روسيا و أمريكا اللاتينية وأفغانستان ويوغسلافيا وأمريكا  وإيطاليا وغيرها.وهذا الرعب أو التفزيع الذي يمارس باسم الدين لا يمكن أن ترضى به آية ديانة , لان الديانات تقوم على التسامح و المحبة والقيم الأخلاقية ونبذ العنف وحماية الأبرياء من الضرر.ولذلك فان الشخص الإرهابيterrorist  الذي يمارس العنف إنما يقوم بذلك للوصول إلى أهداف  سياسية وليست دينية من خلال جرائم عادية خطيرة ومتعمدة كالقتل والسلب و السرقة و الاعتداء .

تعريف الإرهاب   The definition of terrorism يمكن وصف الإرهاب على انه العنف السياسي   أي الرعب والخوف الذي تقوم به جماعة أو أفراد أو شخص أو دولة أو منظمة لتحقيق أغراض أو أهداف معينة  من وراء ذلك. وهو ظاهرة من ظواهر الاضطراب السياسي في العصر الحديث . وعلى الرغم من أن الإرهاب ليس جديدا ( حيث كان الإرهاب يمارس بصورة منتظمة كوسيلة للسيطرة من الإقطاع الرومان على العبيد العاملين في مقاطعاتهم ), إلا انه ازداد في السنوات الأخيرة في مناطق عديدة من العالم و الأخطر من ذلك هو قيام  أجهزة الدولة في ممارسة الإرهاب ( أي العنف السياسي ضد الشعب ) لتحقيق أهداف نظام حكم دكتاتوري قائم على عبادة الفرد والسجود للأصنام .

 ومما يتعلق بذلك اتهمت سلطات النظام في العراق في نوفمبر 1999 الولايات المتحدة الأمريكية في مذكرة رفعت من طارق عزيز إلى  الأمين العام للأمم المتحدة على إنها دولة إرهابية وبأنها ترعى الإرهاب لدعمها فصائل المعارضة العراقية لغرض الإطاحة بنظام الرئيس صدام  . 
إرهاب الدولة 
إذا قامت الدولة من خلال أجهزتها القمعية بانتهاكات بليغة لحقوق الإنسان في التعذيب و القتل و ضرب الشعب بالأسلحة الكيماوية و الصواريخ و الإخفاء القسري و الاعدامات والتعذيب للبشر  و إهدار حقوق الإنسان  المعروفة في الإعلان العالمي و المعاهدات الدولية وفي التحريض على العصيان أو دعم الأشخاص أو الجماعات للقيام بتفجيرات ضد أهداف معينة أو التدخل في شؤون دولة أخرى , تعتبر الدولة ممارسة للإرهاب وراعية للعنف السياسي من خلال إشاعة الرعب والخوف ومصادرة الحريات الأساسية . وهذا يوجب محاسبة المسؤولين عن ذلك لأنها تعد من الجرائم الدولية الخطيرة .

لقد مارست الثورة الفرنسية الإرهاب باسم الشعب و ضد الشعب للسيطرة علية , وفي ظل نظام حكم الفرد فان الإرهاب يمارس من خلال أجهزة الدولة ضد الشعب ومصادرة حقوقه الأساسية والانفراد في الحكم و التحكم بمصيره ورفض كل شكل من أشكال الرأي الأخر أو احترام التعددية السياسية مثلا بالقوة بحجج واهية منها مثلا افتعال وجود الخطر الداخلي أو الخطر الخارجي .أي في هدم كل المؤسسات الدستورية للدولة والمجتمع وتمجيد دور الفرد في المجتمع . ولعل من أهم مظاهر إرهاب الدولة هو العنف السياسي الذي تمارسه أجهزة الدولة الدكتاتورية  ضد المواطنين لفرض العقيدة السياسية أو فكرة معينة  تحت طائلة التخويف و الترهيب و التفزيع وهو ما يتناقض وقواعد حقوق الإنسان المعروفة للجميع وهو ما يحصل في العراق منذ اكثر من ثلاثة عقود من الزمان . حيث يمارس الإرهاب في العراق بكل أشكاله وبصورة لم يشهد لها التاريخ نظيرا في نوع القسوة و الجرائم العمدية ضد الشعب العراقي وكذلك في أثناء الحرب العراقية - الإيرانية و في أثناء احتلال دولة الكويت .
الإرهاب الدولي ضد الشعب العراقي ( نموذج الحصار الاقتصادي)
هل أن الحصار الاقتصادي على الشعب العراقي يدخل ضمن مفهوم الإرهاب الدولي ؟ وهل يمكن للدول أو للمجتمع الدولي أن يحقق العدالة والعدل في معاقبة الضحية وهو الشعب ويترك الجلاد وهو الفاعل المسؤول عن الكوارث التي حلت على العراق وعلى المنطقة وعلى العالم من خلال جريمة احتلال دولة الكويت وانتهاكات حقوق الإنسان خلال الاحتلال وبعدة ؟ وهل يمكن لطاغية أن يجوع أو يحرم من المعالجة الطبية ؟
نستطيع القول أن غاية العمل الإرهابي هو زعزعة الأمن وتهديد الاستقرار من خلال العنف بالأضرار في أرواح البشر وأجسادهم و أموالهم . وإذا كان الأمر كذلك فان النتيجة التي يحققها الحصار ضد الشعب العراقي تؤدي إلى الموت لمئات السكان الأبرياء الذين لا ذنب لهم في جريمة احتلال دولة الكويت و كذلك الى العجز الجسدي من خلال سوء التغذية وسوء المعالجة الطبية أو فقدانها  والى تدمير حقوق البشر الثابتة في الإعلان العلمي لحقوق الإنسان والى الإضرار بالأموال أيضا ثم التأثير على الأمن و السلم وهو طريقة قاسية من طرق العقاب ضد الشعوب وليس ضد الأنظمة أو الحكام الذين ارتكبوا الأخطاء والحصار يقود إلى تدمير البناء التحتي للمدنيين وهلاك الثروة الحيوانية و هو عمل إرهابي ضد الشعوب ويشكل جريمة عمدية لن تغتفر .ذلك لان الحصار الاقتصادي يثير الخوف والفزع بين الناس في حياتهم ومعيشتهم ويسبب الأمراض العضوية والنفسية وهو السبب المباشر في موت الآلاف من الأطفال والشيوخ و المرضى كما نشير إلى أن النظام في العراق يستغل هذه المعاناة للأغراض الدعائية وهو يسهم في إنجاح الحصار ويسعى إلى بقائه على الشعب  العراقي لغرض إحكام القبضة على السلطة .ونعتقد أن هذا الحصار هو من جرائم إبادة الجنس البشري وهي جريمة محرمة دوليا  لا يمكن السكوت عنها.بل أن العقوبات الاقتصادية تؤدي إلى نشوء التطرف والإرهاب لأنها تخلق المناخ الملائم لذلك .
الفرق بين الإرهاب وحق تقرير المصير 
ولغرض السيطرة على الشعب لابد من اللجوء إلى الاسترشاد بدليل عمل يشكل أساس لإرهاب الدولة قائم على تمجيد عنصر أو فكرة أو  مذهب على أخر خلافا لكل قواعد حقوق الإنسان .     و الفارق كبير بين حركات التحرر الوطنية و الإرهاب الدولي  فلا يمكن أن نعد مثلا انتفاضة الكرد في كردستان العراق عام 1991 هي  من الأعمال الإرهابية .لان للكرد حق واضح في تقرير المصير طبقا للقوانين والالتزامات الدولية وضمن إطار الدولة العراقية الواحدة. وكذلك الحال بالنسبة للشعب الفلسطيني الذي يناضل من اجل بناء دولته المستقلة المشروعة على أرضة وفقا لقرارات الشرعية الدولية . فالشعوب تتساوى في الحقوق ولها الحق في العيش و الاستقلال أي تقرير المصير وتأسيس دولة مستقلة  أو في الفيدرالية. والنضال من اجل تحقيق هذا الهدف ليس من الأعمال الإرهابية ما لم تكن هذه الأعمال موجهة ضد الأهداف المدنية والسكان المدنيين الذين يتضررون من العنف في أموالهم و أرواحهم و أجسادهم .ذلك لان حق تقرير المصير حق مشروع في القانون الدولي وفي ميثاق الأمم المتحدة و في قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة وفي الإعلان العلمي لحقوق الإنسان ولان إخضاع الشعوب للسيطرة و الاستعمار واستغلالها يتعارض و السلم الولي و هو انتهاك لحقوق الإنسان. 
وفي أسبانيا رفضت دعوات منظمة ايتا الانفصالية والتي تدعو إلى انفصال إقليم الباسك عن أسبانيا وفرنسا وهددت بالعودة إلى ممارسة أعمال العنف لتحقيق هذا الغرض .حيث تعتبرها العديد من الدول من المنظمات الإرهابية التي نفذت إعمالا إرهابية خطيرة في أسبانيا عدا فترة الهدنة التي استمرت فترة 14 شهرا والتي أعلنت المنظمة المذكورة في نوفمبر 1999 عن إنهائها من طرف واحد . 

ولكن لممارسة أعمال الحرب قواعد لا يجوز مخالفتها فللحرب قواعد أو قانون هو قانون الحرب  و في السلم قواعد و أصول , ولهذا لا يجوز مطلقا إلحاق الضرر بالسكان المدنيين مثلا أو اختطاف طائرة مدنية أو القيام بأعمال تفجير ضد أهداف مدنية يروح من خلالها العديد من الأبرياء , فهذه جرائم عادية وغير سياسية والهدف منها ممارسة الإرهاب والشخص الذي يقوم بها يعد إرهابيا .
ولهذا لا يجوز إلحاق الضرر بأشخاص لا علاقة لهم بالصراعات أو النزاعات مثل اختطاف طائرة مدنية أو القيام بتفجيرات ضد أرواح مدنيين أو ذبحهم أو هدار حقوق الإنسان أو حجز الرهائن من المدنيين أو الاغتيالات بهدف زعزعة الأمن  . ومما يعد من الأعمال الإرهابية القيام بالاغتيالات أو التصفيات الجسدية سواء بأعمال تقوم بها الدولة وأجهزتها القمعية أم الأعمال التي يقوم بها فرد أو أفراد أو جماعة معينة لبث الخوف ونشر الرعب . 
وفي الأردن اغتيل بعمل إرهابي رئيس الوزراء  هزاع المجالي ثم اغتيل أيضا في عام 1970 رئيس الوزراء وصفي التل  من خلال عملية إرهابية كما جرت سلسلة تفجيرات ضد أهداف مدنية في مناسبات متعددة في الأردن نشرت الخوف بين المواطنين مما اعتبرت بحق من أعمال الإرهاب .وقد وقعت أعمالا متعددة بدعم من نظام الحكم  في العراق في نطاق إرهاب الدولة في صورة عمليات  التصفيات الجسدية للعراقيين وطالت حتى الدبلوماسيين العراقيين هذا فضلا عن التدخل في الشؤون الداخلية للأردن .كما جرت محاولة لعمل إرهابي عام 1993 لغرض اغتيال  المغفور له جلالة الملك الحسين في جامعة مؤتة. 

وفي الكويت وقعت العديد من الأعمال الإرهابية منها محاولة اغتيال أمير دولة الكويت عام 1985 إلا أن أخطرها هو احتلال دولة الكويت من نظام الرئيس صدام في 2 أب من عام 1990 وما تبع ذلك من جرائم دولية خطيرة تمثلت في انتهاكات حقوق الإنسان أثناء الاحتلال وفي الاستمرار في احتجاز الأسرى الكويتيين وفي حرق أبار البترول وتلويث البيئة وفي نهب وسلب الممتلكات العامة والخاصة وغيرها من الأعمال الإرهابية التي تشكل جرائم دولية لا تسقط بالتقادم.
ولم تسلم المملكة العربية السعودية من الأعمال الإرهابية أيضا حيث وقعت فيها الكثير من هذه الأعمال  التي كشفت عن التطرف الذي يشيع الرعب  و الخوف بين المواطنين وفي المجتمع.وهذا ما دفع مجلس التعاون لدول الخليج إلى محاولة معالجة  ظاهرة الإرهاب والتطرف المقترن بالعنف لضمان سلامة الأمن وبخاصة في جلسة دول المجلس التي انعقدت في 27 نوفمبر 1999 .

الجهود الدولية من أعمال الإرهاب 
قامت وتقوم  الجمعية العامة للأمم المتحدة ( من خلال اللجنة الخاصة المعنية بالإرهاب الدولي )  بمحاولة وضع صياغة قواعد لتحديد الإرهاب الدولي ولكن اللجنة اصطدمت بعقبات كثيرة طبيعية بفعل تباين وجهات النظر للدول وقد وصفت الجمعية العامة للأمم المتحدة الأساليب الإرهابية بأنها من الأعمال الإجرامية العادية وليست من صنف الجرائم السياسية وطلبت من جميع الدول الوفاء بالالتزامات الدولية للحد من النشاطات الإرهابية واعتبرت من الإرهاب كل أشكال الاستعمار والممارسات العنصرية وانتهاكات حقوق الإنسان والاحتلال الأجنبي وكل ما يعرض السلم الدولي للخطر.(2) كما قامت جامعة الدول العربية بمحاولات لتحديد مفهوم الإرهاب ونضال الشعوب من اجل التحرر.
وفي الحقيقة  عقدت مؤتمرات متعددة في بعض البلدان العربية حول الإرهاب -  في مصر ودولة قطر والمملكة العربية السعودية ومجلس التعاون لدول الخليج - ففي أبريل من عام 1998 عقدت في رحاب كلية الحقوق - جامعة المنصورة في جمهورية مصر العربية مؤتمر المواجهة التشريعية لظاهرة الإرهاب على الصعيدين الوطني والدولي وقدمت فيه العديد من البحوث وتم مناقشة هذه الظاهرة من جوانب مختلفة .(3)

وفي هذا السياق لابد من التساؤل هل أن الدولة التي تمارس الإرهاب من خلال انتهاكات حقوق الإنسان و ممارسة الاضطهاد و افتعال النزاعات المسلحة و التدخل في الشؤون الداخلية للدول يمكن أن تمارس هذه السياسة بحرية ودون أن تتدخل الجهود الدولية أو الأمم المتحدة للحد من ذلك ؟ وبعبارة أخرى هل أن  هناك مجالا للمجتمع الدولي في أن يتدخل للحد من مبدأ السيادة الوطنية ؟
وهل هناك من تعارض بين مبدأ التدخل الدولي و مبدأ السيادة الوطنية ؟ وما هو المعيار الذي يحدد وصف الدولة الإرهابية والتي تمارس الإرهاب وبين الدولة التي ترعى الإرهاب وتتبناه وتدعمه ؟ وهل يمكن القول أن الدول التي تمنح حق اللجوء السياسي وفقا للاتفاقيات الدولية وبخاصة اتفاقية جنيف لعام 1951 المعدلة ببرتوكول نيويورك لعام 1967 هي من الدول الإرهابية ؟ وبالتالي لا يحق لها أن تتدخل في ممارسات الدول التي تنتهك حقوق مواطنيها أوحين تحصل نزاعات مسلحة ؟وهل هناك توافق بين الالتزامات الدولية و القوانين الداخلية للدول التي تمارس الإرهاب و بالتالي لا تمتنع الدولة التي تمارس الإرهاب  عن تنفيذ هذه الاتفاقيات والالتزامات بحجة المساس بالسيادة الوطنية للدولة وبالشؤون الداخلية لها ؟ أن هذه الأسئلة تحتاج فعلا إلى إجابات وافية ومحددة وواضحة من اجل تحقيق الاحترام لقواعد حقوق الإنسان وللالتزامات الدولية ولتحقيق الأمن والسلم الدوليين.

وفي باكستان توجد محكمة خاصة تسمى ب ( محكمة مكافحة جرائم الإرهاب ) ويمثل أمامها السيد نواز شريف , رئيس الوزراء الباكستاني السابق ,عن التهمة التي وجهت إلية في التآمر ضد قائد الجيش ومجموعة من كبار الضباط منهم السيد برويز مشرف - قائد الانقلاب الحالي في باكستان - ويبدو أن المحكمة تنظر في قضايا الجرائم السياسية أو الجرائم الخطيرة في الدولة الباكستانية. وهي محكمة خاصة يتناقض وجودها مع أسس دولة القانون والمؤسسات الدستورية رغم أن الساحة الباكستانية لا تخلو من العديد من الأعمال الإرهابية وبخاصة التفجيرات التي حصلت فيها من خلال السيارات المفخخة  في أماكن تستهدف المدنيين والأبرياء و في نطاق الهجوم على دور العبادة.
أما في بريطانيا التي يعيش على أراضيها المئات من الأشخاص المعارضين السياسيين  لحكوماتهم وللسياسة الدكتاتورية, سواء من الجماعات الإسلامية أم  القومية أم الليبرالية أم غيرها ,تتهم الحكومة البريطانية بأنها راعية للإرهاب وللتطرف وهذا الاتهام تنادي به العديد من الحكومات وبخاصة بعض الأنظمة العربية  في حين تناقش الحكومة البريطانية قانونا جديدا هو سمى ب ( قانون مكافحة الإرهاب ).
ولا شك أن بريطانيا تعرضت إلى العديد من الإعمال الإرهابية من الجيش الجمهوري الايرلندي الذي استخدم طريقة التفجيرات عبر السيارات المفخخة والتي دائما يروح ضحيتها السكان المدنيين الذين لا علاقة لهم بهذا الصراع السياسي. ولعل التفجيرات التي حصلت في لندن و ايرلندا في أب 1998 نموذج من الأعمال الإرهابية التي أصابت العديد من الأشخاص و ألحقت الضرر بالأموال و أشاعت الرعب والفزع . 

وفي جنوب أفريقيا انفجرت قنبلة موقوتة في (مطعم للبيتزا ) يوم 28 نوفمبر 1999 أدت إلى قتل وجرح ما لا يقل عن 50 شخصا كانوا في المطعم ولا شك أن هذا العمل الإجرامي يعد من الأعمال الإرهابية التي تؤكد ضرورة وضع الحد للعنف والجريمة المنظمة. كما اتهمت ليبيا بأنها دولة راعية للعمل الإرهابي لبعض الجماعات ومنها الجيش الجمهوري الايرلندي السري و بعض الجماعات الفلسطينية وغيرها كما اتهمت بحادث تفجير طائرة Pan American  فوق لوكربي في اسكتولنده وبعد جهود دولية وافقت الحكومة الليبية على تسليم المتهمين بالحادث إلى محكمة في لاهاي -هولندا  لغرض المحاكمة والوصول الى الحقيقة , كما وقع العقيد معمر القذافي قائد الثورة الليبية بتاريخ      4-12-99 مع السيد رئيس وزراء ايطاليا اتفاقية مكافحة الإرهاب. 

وفي العصر الحديث أصبحت الوسائل عديدة لنشر الفكر الإرهابي و لاسيما عبر الانترنيت Internet ومثال ذلك نشر الفكر النازي والفاشي أو الجريمة المنظمة أو بث أو تحريض الأشخاص على التطرف و العنف وكذلك تعليم الأفراد على كيفية صنع المتفجرات أو طريقة القيام بالتفجيرات حتى أن العديد من الجماعات الإرهابية أصبحت لها صفحات خاصة على الانترنيت ويمكن لها أن ترسل التهديد والوعيد للخصوم وبالتالي تخلق الخوف وتنشر الرعب وهي جرائم حديثة وخطيرة يطلق عليها  Internet Crimes.
فالانترنيت اصبح واحدا من الوسائل التي تحقق أغراض المتطرفين و الإرهابيين , وهذا يستوجب المزيد من المعرفة الفنية للاطلاع على النشاطات الإجرامية ومحاولة منعها قبل حصولها أو اكتشاف الفاعلين لها , لان العمل الإرهابي أعمى ولا يميز بين صغير وكبير   يلحق أذاه بأي شخص يصادفه دونما تمييز وليس أدل على ذلك من أن أكثرية ضحايا العمليات الإرهابية هم من يتضررون بمحض الصدفة نظرا لوجودهم في موقع تنفيذ العمل الإجرامي .(4) 

وينادي العديد من المختصين بضرورة إيجاد تشريعات مختصة تنظم جرائم الإرهاب و تحدد العقوبات و المحاكم التي تفصل في هذه الجرائم . ( 5 ) وإذا كنا نعتقد بصواب هذا الرأي , إلا إننا نعتقد بضرورة إحالة قضايا جرائم  الإرهاب إلى القضاء العادي وعدم السماح بإنشاء محاكم خاصة أو استثنائية  لهذا الغرض ففي الإحالة للقضاء العادي تفعيل لدور المؤسسات القانونية ولدولة القانون.

أما المشكلات التي يمكن أن تثيرها جرائم الإرهاب الدولي فهي كثيرة لعل في المقدمة منها هي قضية التعويضات للمتضررين في الأرواح و الأجساد و الأموال و المشاعر والأحاسيس .فمن هو المسؤول عن تعويض المتضررين ؟ ومن هو المسؤول عن إصلاح الضرر في الأموال ؟ وكيف يمكن معالجة حقوق الورثة الذين فقدوا ذويهم و أقاربهم في الحوادث الإرهابية  ؟ لاسيما إذا علمنا أن شركات التامين لا يمكن أن تقوم بالتامين ضد الحوادث العمدية , أي أن هذه الشركات لا يمكن أن تؤمن على الأخطاء المرتكبة عمدا في  أي مجال كان ولهذا لا يمكن لها أن تتحمل المسؤولية في إصلاح الأضرار , ما لم يوجد اتفاق واضح وصريح بخصوص ذلك وهو ضيق ومحدود.

هذا فضلا عن أن الفاعل للعمل الإرهابي قد يكون مجهولا أو معلوما لكنة من المعسرين أو أن القائم بالعمل الإرهابي هو الدولة ولكن من العسير إلزامها بدفع التعويض للمتضررين من أبناء الوطن أم من الأجانب ولهذا لابد من إيجاد قواعد لحل هذه المشكلات الناشئة عن الأعمال الإرهابية في نطاق جهود دولية ملزمة وفاعلة .(6 ) ونعتقد أن من حق كل شخص متضرر من هذه الأعمال الحق الثابت في التعويض عن الضرر فضلا عن معاقبة المسؤول أو المحرض لهذه الأعمال وذلك طبقا للقوانين الوطنية والالتزامات الدولية . 
لذلك يذهب العديد من المختصين إلى ضرورة وضع قواعد تعوض المتضررين من الإرهاب لاسيما وان مرتكب الفعل الإجرامي غالبا ما يلقى حتفه في العمل الإرهابي ولابد من إلزام الدولة بدفع التعويض للمتضررين . بينما يقترح بعض الباحثين إلى إيجاد صندوق خاص لتعويض المتضررين بصورة فورية عن الأضرار الحاصلة .( 7 )
ويظهر من أعمال الإرهاب التي وقعت في العديد من دول العالم - وبخاصة في العالم العربي - إلى أن أسباب الإرهاب يمكن حصرها على النحو التالي 
1. التطرف الديني والمذهبي المقترن بالعنف  . وهذا التطرف نجد نموذجه الواضح في الجزائر حيث بلغ عدد الضحايا من السكان المدنيين نتيجة أعمال الذبح والتفجيرات اكثر من 100 ألف إنسان حيث جرت الأعمال الإرهابية حتى في شهر رمضان المبارك وهو تحد خطير للمجتمع و سلامته . وفي نهاية نوفمبر من عام 1999 - ورغم صدور قانون الوئام الوطني - جرت مذبحة كبيرة قرب الجزائر العاصمة راح ضحيتها 18 مواطن تم قتلهم بطريقة الذبح كما سبق ذلك عملية اغتيال الشيخ عبد القادر حشاني وهو أحد زعماء الحركة الإسلامية البارزين في الجزائر ثم تبع ذلك في بداية شهر ديسمبر    1999قتل 16 فردا بعد نصب كمين لهم . وهذا العنف السياسي في بلد المليون شهيد من الظواهر المؤلمة والمؤسفة , فالجزائر من البلدان الثرية ومن الشعوب الحية التي يفترض أن تؤسس فيها أسس الديمقراطية و دولة القانون و التسامح الديني والسياسي و الحوار الحضاري مع بداية الألفية الجديدة لكي يعيش الشعب الجزائري في أمان وسلام واستقرار بعد سنوات من الاضطراب السياسي والعنف الذي لن يؤدي إلا الى المزيد من الدمار و تعميق المأساة.
2. التطرف القومي العنصري  المقترن بالعنف .( نموذج الجماعات النازية - القوة البيضاء ) أي الإرهاب النازي.
3. التطرف السياسي أو العقائدي المقترن بالعنف.ونجد نموذجه في نظام الرئيس صدام.( الإرهاب الصدامي ).
4. التطرف الإجرامي المقترن بالعنف مثل عصابات الجريمة المنظمة  والتي تقوم بعمليات غسيل الأموال وتبيضاها..

ونعتقد أن أسباب التطرف و  الإرهاب  تعود إلى العوامل التالية 
1. الجهل  سواء أكان جهل الأفراد أو الجماعات أو جهل قيادة الدولة التي تمارس إرهاب الدولة . 
2. الفقر والبطالة الذي يعاني منة الشخص أو الأشخاص أو الجماعات أو قيام الدولة بتعمد خلق ظروف الفقر والبطالة بهدف إبادة الجنس البشري لكي تتخلص من عرق معين أو جماعة معينة غير موالية للنظام السياسي وكذلك قيام المسؤولين في  الدولة بإهدار الثروات و سرقتها والتصرف بها دون حساب أو رقابة أو قانون , أي بصورة مخالفة للقانون وعدم خضوع هؤلاء للحساب مما يثير رد الفعل ضد هم .
3. الظلم والعدوان واستعمال القسوة ضد البشر. وبخاصة في الأنظمة الدكتاتورية التي تصادر الحقوق والحريات و الديمقراطية و تغييب المؤسسات الدستورية و القانون ولا تحترم حقوق الإنسان وكذلك انعدام الحوار أو رفضه من السلطة أو لعدم الثقة بالنظام ..
4. مطالبة الشعوب بحق تقرير المصير ورفض هذا الطلب من الأنظمة السياسية المنغلقة .
5.  فقدان المؤسسية في نظام الحكم وغياب الحكم المدني .
6. أسباب أخرى , اجتماعية و سياسية وثقافية وتربوية . 

وسائل التخلص من التطرف ومن  إرهاب الدولة وإرهاب الأفراد
أيا كان القائم بالأعمال المتطرفة و الإرهابية , الدولة أم الفرد أم الجماعات , وسواء أكان الإرهاب داخليا أم خارجيا , فان هناك طرقا معروفة لمعالجة التطرف و الإرهاب و نبذ المغالاة والعنف والتفزيع لكي يعيش السكان المدنيون بسلام وأمان في ظل المرحلة الجديدة وهي 
أولا- ضرورة تعاون المجتمع الدولي , إقليميا و دوليا , للوقوف ضد إرهاب الدولة الذي يمارس من بعض الأنظمة الدكتاتورية والتي لا تحترم مطلقا الإنسان ولا حقوقه الدستورية الثابتة .ولا سيما النظام في العراق تحت حكم الرئيس صدام حيث تمارس الدولة إرهابا منظما لم يسبق له نظير في القسوة و الظلم والعنف والتصفية الجسدية للمعارضين السياسيين وفي ممارسة الجرائم المنظمة ضد البشر و بخاصة جريمة التطهير العرقي ضد الأكراد والتركمان والشيعة و التعذيب و انتهاكات حقوق الإنسان.
ثانيا -معالجة مشكلات الفقر و البطالة بصورة علمية وضمان الحد الأدنى من وسائل العيش للإنسان في الضمان المعيشي والصحي والثقافي طبقا للالتزامات الدولية والقوانين الوطنية .
ثالثا -إقامة أسس الحكم الديمقراطي وحكم الأغلبية من خلال المؤسسات الدستورية و تأسيس دولة القانون بخضوع الحكام والمحكومين له سواسية و دون استثناءات وفقا لقواعد العدالة والعدل . 
رابعا - احترام حقوق الإنسان والالتزام الدقيق بالمعايير الدولية لهذه الحقوق ومحاسبة الأشخاص المسؤولين عن الجرائم الدولية  المرتكبة ضدها وفقا للقانون.
خامسا - لما كان الإرهاب يولد الرعب و الخوف بين الناس فانه سيؤدي حتما إلى النفاق والتملق والرياء  أو الصمت على الجرائم المرتكبة ضد حقوق البشر وانه يخلق حالة من ازدواجية الشخصية ,  لذلك فان معالجة  ذلك لا يكون إلا بالتخلص من الطغيان والظلم المقترن بالحكم المطلق للفرد الذي يقود دائما إلى الوقوع في الأخطاء وارتكاب الجرائم الخطيرة من الحكام .
سادسا - إشاعة الحرية في التفكير واحترام حق الإنسان فيه و الحرية في العقيدة و الحرية في الرأي والكلام وتأسيس قواعد دولة القانون واحترام القضاء وعدم التدخل في شؤونه. 
سابعا - الوقوف ضد  سياسة التمييز الطائفي و الإقليمي و الديني ومحاسبة المجرمين الدوليين  الذين يمارسون هذه السياسة الخطيرة.
ثامنا - ضرورة وجود قواعد التداول السلمي للسلطة وفقا لقواعد الدستور والقانون وطبقا للاحترام المطلوب للالتزامات الدولية .ومن ذلك احترام حق الشعوب في تقرير مصيرها واحترام الأديان والمذاهب والمعتقدات ودون التدخل بأفكار البشر أو فرض العقيدة عليهم بالقوة و إلا سيضطر العديد منهم للمقاومة أو اللجوء إلى الأعمال الانتقامية أو التطرف وربما إلى اشد الأعمال إرهابا فمن يزرع الريح يحصد العاصفة  .
تاسعا- تفعيل القرار 688  لحماية الشعب العراقي من إرهاب الدولة لان انتهاك حقوق الإنسان  من الأعمال الإرهابية وتشكل جريمة دولية  .
عاشرا - وضع برامج فاعلة لحل مشكلة البطالة وتوجيه الطاقات البشرية - وبخاصة الشباب - في اتجاهات نافعة حسب برامج تخدم المجتمع وتعزز دور الإنسان في المجتمع وتوظف طاقاته في مجالات نافعة.
حادي عشر-ضرورة تعليم مبادئ حقوق الإنسان في المراحل الدراسية الأساسية وغرس روح التسامح و المحبة والتعاون والقيم الإنسانية النبيلة واحترام الحرية الدينية والفكرية ونبذ فكرة التفوق للعنصر والأجناس على غيرها وتوظيف وسائل الأعلام نحو هذا الهدف لمنع الإرهاب والحد من الجرائم الإرهابية وتضييق مجالاتها في أضيق مجال مع تفعيل دور القانون ودور المؤسسات الدستورية في المجتمع . 

المراجع References
In Swedish, English and Arabic languages

Samh?lla 2000- Stockholm 1998 sid ( 18-19)-1
2- الدكتور عبد الكريم علوان - الوسيط في القانون الدولي العام - ج3 -ط1-1997 ص40
3- راجع البحوث التي تقدم بها عدد من أساتذة كلية الحقوق بجامعة الكويت - مجلة كلية الحقوق -العدد 3 السنة 23 -1999
4- انظر بحث الأستاذ الدكتورة عزيزة الشريف ( الاختصاص التشريعي في حالات الضرورة ) - مجلة كلية الحقوق - العدد 3- 1999 ص 315
5 - راجع الدكتور نور الدين الهنداوي - الساسة التشريعية وجرائم الإرهاب - مجلة كلية الحقوق  الكويت -1999 ص 317
6-  انظر بحث الدكتور عبد الحميد الحفني- ( القواعد التي تحكم التعويض عن جرائم الإرهاب بين العمومية والخصوصية )- مجلة كلية الحقوق 1999 ص 317-318
7- انظر بحث الدكتور احمد السعيد الزقرد - ( تعويض الأضرار الناشئة عن الإرهاب )- مجلة كلية الحقوق -1999 ص 318-319
8- منجد الطلاب -ط-36-دار المشرق - بيروت 1986
 
 
 

--------------------------------------------------------
د.منذر الفضل -
أستاذ جامعي و باحث قانوني مقيم في السويد  ( مستقل )